ذاكرة أنفاس: حوار مع جمال بلخضر

حاورته: زكية الصفريوي

ترجمة:سعيد بوخليط

1-س- ماهي الظروف، التي جعلتكم في اتصال مع جماعة أنفاس؟

 ج-شخصيا، أنتمي أصلا إلى حركة تدافع عن السلام. تابعت دراساتي في فرنسا، في مجال الصيدلة. عشت بمدينة تولوز بين سنوات (1964-1969)، إنها حقبة حرب فيتنام، بحيث تفاعلت الحركة الطلابية جدا مع الحدث، وانحازت مختلف الاتجاهات السياسية، إلى جانب حركة السلام، وكذا التنظيمات الجماهيرية المناضلة ضد الامبريالية الأمريكية. أيضا، شهدت حقبة تواجدي في فرنسا، أحداثا بارزة، انعكست على نفسيتي: اختطاف المهدي بن بركة شهر أكتوبر1965، حرب يونيو سنة 1967، هزيمة العرب أمام إسرائيل، ثم ربيع براغ الذي اندلع شهر يناير1968، واستمر إلى غاية شهر غشت من نفس السنة. هكذا، طبعني بعمق الراهن الدولي لسنوات (1964-1969)، فشكل الأمر منطلقا لالتزامي السياسي: خلال الإبان ذاته، تابعت دراساتي بمدينة تولوز، وكنت على التوالي رئيسا للفرع المحلي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وجمعية طلبة مسلمي شمال إفريقيا، وكذا هيئة التنسيق المناهضة للامبريالية، دون الحديث عن مشاركاتي في العديد من الهيئات التي تظهر بمناسبة هذا الحدث الإعلامي أو ذاك. شهر يونيو1967، حينما وقع الاعتداء الإسرائيلي على الدول العربية، شعرنا تماما انطلاقا من مدينة تولوز، نحن الطلبة العرب وكذا المنتمين إلى العالم الثالث عموما، أنه بمثابة اعتداء علينا كأفراد، وعشنا ذاك الاندحار العربي مثل جرح حقيقي، بينما تبنى الرأي العام الفرنسي كليا الأطروحات الإسرائلية، معتقدا عبر خطاب صحافته، أن مصر هي المعتدية، وليس العكس، مثلما تؤكد تفاصيل الحدث. إذن كان الانحياز، واضحا. فضلا عن ذلك، لعبت الحركة الصهيونية في فرنسا، دورا جيدا لدعم إسرائيل، التي استقطبت دعم كل الرأي العام، باستثناء اليسار الديمقراطي أو كما سمي خلال تلك الحقبة باليسار المتطرف، فقد مثَّل أقلية، عندما عبّر بنفسه عن المقاصد الحقيقية للعرب، الذين رددوا بإفراط للأسف، شعار رمي اليهود إلى البحر. على أية حال، أثار هذا اليسار الانتباه، نحو الكلفة الثقيلة التي يدفعها ضحايا النزاع ولصالح التوسع الصهيوني: الفلسطينيون والعرب ثم اليهود أنفسهم. إذن، وسط كل هذا الغضب والبلبلة التي تضرم نارها قصدا، كنا بعض الطلبة من مختلف الجنسيات، الذين شعروا برغبة التفاعل والمبادرة إلى التعريف بحقيقة القضية الفلسطينية. في هذا الإطار، اقترحت بجانب مناضلين آخرين، تأسيس الجمعية الدائمة للعمل من أجل الفلسطينيين. اقتضى إنضاج المشروع، الفترة الزمنية التي تستغرقها العطلة الصيفية، ثم في شهر أكتوبر 1967، أسسنا ثلاث إذاعات في تولوز، وبادرنا فورا إلى القيام بأمور عدة: أصدرنا خمس كرّاسات خلال سنتين، عقدنا ندوات ولقاءات، قمنا بحملات، وأرسلنا أدوية إلى المخيمات الفلسطينية، بالتالي أنجزنا عملا هائلا لقي استحسانا من طرف كل العالم. أعتقد، بأننا كنا الأوائل داخل فرنسا، المبادرين نحو هذا النوع من الأعمال. طبعا فيما بعد، خلق نموذجنا منافسين، أما بداية فقد اعتُبرنا في مدينة تولوز، روادا. خلال السنة الموالية، سيندلع ربيع براغ، جراء انتفاض الشباب ضد البيروقراطية المناصرة للاتحاد السوفياتي، التي تدير شؤون البلد، وعلى عكس حرب يونيو1967، لم يحدث ذلك بغتة، بل كشفت الحركة عن نفسها خلال ستة أشهر، طرحت على امتدادها، أسئلة أفصحت عن اندهاش المناضلين. تساءلوا أولا عن ماهية تلك الحركة، وهل يتعلق الأمر بأفراد يتطلعون حقا إلى الحرية، أو فقط يلعبون لعبة أمريكية؟ أسئلة من هذا القبيل، استغرقت بعض الوقت، ثم اتضحت الأمور شيئا فشيئا. انطلاقا من شهر ماي، بدا جليا أنها قضية عادلة، بحيث تطلعت جماعة من الناس إلى الانتهاء من طوق الاتحاد السوفياتي، يبتغون حرية، ليس بالضرورة على منوال ما كان سائدا في الغرب، بل أرادوا ببساطة التنفس قليلا، والتخلص من قبضة الاستبداد البيروقراطي. هذه الحركة، أثرت بشكل كبير على الشباب الفرنسي وكذا اليسار، مما أدى إلى حدوث انشقاقات ضمن صفوف التنظيمات السياسية والنقابية لليسار الكلاسيكي، لاسيما داخل الحزب الشيوعي، الذي كان يدعم إلى أبعد حد، النظرية التي تؤكد بأن الجيش الأحمر، لم يتدخل للاعتداء على تشيكوسلوفاكيا، لكن لتحرير البلد من الثورة المضادة، التي يحرض عليها عملاء الامبريالية العالمية. هكذا، غادر جزء من الشباب الفرنسي، تنظيمات اليسار المعروفة. سعي، يحيل على حقبة، تطلع معها أيضا الشباب الفرنسي إلى الحرية: كان الإجهاض ممنوعا، وقد ظهرت وقتها حبوب منع الحمل، لكنها لم تكن في متناول الجميع. قارب، سن الأغلبية الواحد والعشرين سنة، لم تكن الأحياء الجامعية مختلطة، وسادت داخل الجامعات سلطة المثقفين، إلخ. حقبة، ميزت المجتمع الفرنسي، بكونه لازال محكوما خلالها، بكثير من أوجه النزعة المحافظة. سيصرخ أكثر، هذا الشباب الفرنسي محتجا: ((لقد ضجرنا، نريد تغيير هذا الوضع !)). هكذا، تزامن غليان هذا الشباب المقموع سنوات الستينات، مع نفَسِ الحرية المعبر عنه في بلدان الشرق، ثم حركة الحرية الجارية داخل بلدان الجنوب، التي قادت إلى ثورة 1968، وقد تابعنا هناك مختلف ماجرى، نحن الشباب المنحدر من كل الأصقاع.

 

2-س-هل تواجد كثير من الطلبة المغاربة في مدينة تولوز؟

ج-نعم، لكني ارتبطت مع غير هؤلاء أيضا. فقد ترأست،لجنة التنسيق المناهضة للامبريالية، التي ضمت سبعة عشر تنظيما فرنسيا أو من العالم الثالث، مجموعة تنظيمات شبابية، مما منحني نوعا من الانفتاح على الكوني وكذا الحياة السياسية الفرنسية. كذلك، كنت أناضل قليلا على جميع المستويات، وأتابع دراساتي، لأنه يلزمني النجاح عند نهاية كل سنة دراسية، وإلا حرمت من المنحة، وبالتالي الاضطرار للعودة إلى البلد كي تعيش مع الأسرة، وضع يتناقض بداهة مع حلمنا بالحرية والاستقلالية. إذن تحتم، بالمطلق التوفيق بين المسارين: النضال والنجاح دراسيا. ضرورة، تحقيق أهداف معينة، لم يمنعني من التحرك كثيرا على مستويات عدة. هكذا تاريخ مساري الشخصي خلال سنوات (1964 -1969).

 

3-س-هل توصلتم خلال هذه اللحظة بمجلة أنفاس؟

ج-لا، لم يكن لدي أي اتصال بالمجلة، خلال تلك الحقبة. بالتأكيد، سمعت الحديث عن اللعبي والمليحي والطاهر بن جلون والنيسابوري وباقي عناصر الجماعة، أثناء إقامتي في المغرب خلال العطلة الصيفية. إنها الحقبة، التي لم تقدم بعد خلالها أنفاس على تحقيق انعطافتها، بل كانت محض ثقافية، يشرف عليها فريق صغير، تشكله خمسة أو ستة أشخاص، وتقتصر نسخ الأعداد الصادرة، على عشر أو خمسة عشر صفحة، تضمنت نصوصا أدبية. لكن، خلال كل هذا الفترة المؤرخة لتطوري في فرنسا، عاش بدورهم المشرفون على أنفاس، تطورا داخل المغرب، وبدأوا يتسيسون شيئا فشيئا، تزيد قليلا عن فترة انطلاقة المجلة، وإن تجلى الأمر في شكل قناعات فردية، لكنهم لم يعبروا بعد عن مواقفهم السياسية صراحة عبر إبداعاتهم. سنة 1968، أنجزوا عملا عن فلسطين، عددا جميلا، جسّد عمليا مدخلا لتحول المجلة الكبير. أثناء تحضيره، اتصل بي فريق أنفاس، بواسطة طالب يقضي عطلته بالمغرب، بحيث لازلت وقتها في تولوز، وآخر سنة لتواجدي بالديار الفرنسية.

 

4-س-هنا تعاونتم مع المجلة باعتباركم مشرفا على الهيئة الدائمة لدعم فلسطين؟

ج-تماما، لقد طلبت مني هيأة التحرير المساهمة في العدد، بمقالة كتبتها وأرسلتها لهم، وبعد نشرها وصلتني نسخة من المجلة مرفقة برسالة صغيرة من اللعبي، يدعونني للالتقاء به. فعلا، ذلك ما بادرت إليه، حين عودتي نهائيا إلى المغرب صيف سنة1969، بحيث اجتمعت مع اللعبي لأول مرة، ثم مضيت. وقتها، كان لازما على الصيادلة والأطباء، قبل السماح لهم بالشروع في ممارسة المهنة، الخضوع إلى خدمة عسكرية أو مدنية لمدة سنتين، سواء في الوظيفة العمومية أو المصالح الطبية للجيش، غير أن سريان مفعول القرار على الشخص يرتبط ببلوغه سن الثلاثة والعشرين، الشرط الذي انتفى لدي، لأني لم أتجاوز الثانية والعشرين والنصف. هكذا شُلت حركتي لمدة ستة أشهر، فلم يكن من حقي الانتقال إلى مجال العمل ولا أي شيء آخر، مما جعلني في لحظة من اللحظات، أشعر بالإحباط بل والتفكير بالعودة ثانية إلى فرنسا. غير أنه من حسن حظي، جمعتني الصدفة بطالبة تنتسب لحقل الأنثروبولوجيا، تشتغل على أطروحة دكتوراه، موضوعها: الرّحل الصحراويين. توطدت بيننا صداقة غنية أفادتني كثيرا، ثم رافقتها صوب المناطق الصحراوية، بهدف تجميع معطيات بحثية حول مخيمات الرحل. توخت صديقتي، استقصاء المعطيات المتعلقة بتقاليد وعادات رحل جنوب المغرب، بينما أنا وقد اصطحبتها أصلا دون هدف محدد، أضحيت على الفور حينما وصلت إلى عين المكان، مهتما بالعلاجات التقليدية التي تستعملها تلك المجموعة البشرية، لأن النباتات والحيوانات والمعادن والطبيعة، شكلت دائما بالنسبة إلي موضوعا مدهشا منذ سنوات دراساتي، بالتالي وجدتها فرصة كي أنكب على الإحاطة بالجانب الدوائي المستعمل لدى هؤلاء، وهو جانب مميز جدا، انطلاقا أساسا من اعتمادهم على أعشاب صحراوية، بحيث يجب القول أن الطب التقليدي يمثل 95%ضمن علاجاتهم، نتيجة هامشية وضعهم عن الحياة المعاصرة. إذن، انكببت كليا على هذا الجانب، فقضيت ثمانية أسابيع في الميدان. عندما رجعت إلى الرباط، وقد بلغت تماما ثلاث وعشرين سنة، وُجهت نحو الخدمة المدنية عوض العسكرية، وبضربة حظ، عينت في المعهد الوطني لحفظ الصحة. حدث، تزامن مع وفاة رئيس مختبر مراقبة التسمم وكذا الأبحاث الطبية-الشرعية، أحد المصالح الخمسة لهذا المعهد. عندما درسوا ملفي، بناء على مجالات اهتمامي وكذا المشاريع التي أخطط لها، استدعاني مدير شؤون الموظفين في وزارة الصحة، كي يعهد إلي بمنصب صيدلاني ورئيس لهذا المختبر، وظيفة كانت شاغرة، فقال لي: ((ليس لدينا شخصا آخر، فأنتم صيدلاني ومتشوق لخدمة البلد. إذن، أمامكم مهمة، فبادروا إلى تفعيلها)). هكذا، دشنت عملي في سلك الوظيفة العمومية بالرباط شهر يناير 1970. أنا صاحب تكوين علمي، لكني كذلك اشتغلت- خلال تجربتي الميدانية الأولى مع الرحل الصحراويين، ثم فيما بعد أثناء أنشطتي المهنية –على الحد المشترك بين العلوم الإنسانية والطبيعية: الإثنولوجيا، أنثروبولوجيا الصحة، الأعشاب الطبية والسامة. ضمن سياق هذا الفاصل بالضبط، تموضعت فيما بعد، جل أبحاثي. مناسبة تعييني بمدينة الرباط، مكنني من معاودة الاتصال بأنفاس، بل صرت زميلا لأعضاء فريقها، ثم بشكل سريع جدا، انضممت إلى هيئة التحرير التي طعمتها خلال تلك الفترة، عناصر انشقت عن الحزب الشيوعي المغربي وكذا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. قدوم تلك العناصر الجديدة، أغنى بالتأكيد المجلة، بقدرة إيديولوجية افتقدتها حتى تلك اللحظة، مما خلق لدى هيئة التحرير رغبة التطلع كي تتطرق إلى موضوعات مجتمعية وسياسية أكثر، دون إلغاء مع ذلك للمكانة المشروعة التي ينبغي للإبداع الأدبي والفني، أن يشغلها دائما ضمن هذا التوجه الجديد. خلال تلك الفترة، قدمت مقالتي الثانية إلى المجلة، تحت عنوان: "صراع الطبقات في مصر". وكذا نصوص صغيرة، بعضها ذيلته بتوقيعي عكس أخرى، لم يكن ضرورة فعل ذلك، مادامت هي مجرد عروض موجزة أو إشارات مقتضبة، لأنه أسندت إلي مهمة كتابة عمود، يهتم بالعالم العربي. يشير التاريخ هنا، إلى سنة 1970.

 

5-س-ما هو السياق الأيديولوجي الذي تموقعت وفقه أنفاس؟

ج-خلال سنة (1970-1971)، تجلت معارضة طلابية قوية جدا، بوازع مما سمي بـ''الحركة''، التي كانت مستقلة سياسيا: كانت حركة وليس تنظيما، ضمت الجميع إلى حد ما، دون خضوعها لقيادة موحدة. طبعا، انخرطت أنفاس في حركة الرفض هاته، بحيث مارسنا التحريض الثقافي والنقابي والاجتماعي والسياسي، ومن المؤكد أننا خلقنا أفكارا جديدة. كانت حقا، حقبة مثيرة جدا. هنا أيضا، وكما وقع خلال سنوات لاسيما في فرنسا، فلم تتبلور الأشياء دفعة واحدة، لكن جاء التحول رويدا رويدا، بعد أن تراكمت مشاعر لدى الشباب، مفادها أن اليسار التقليدي لم يتحمل مسؤولياته، لذلك قرر الدفع نحو انبثاق يسار جديد، غير أنها كانت مجرد أفكار، ولم تهيكل. خلال هذه الحقبة، أشرفت على إدارة المختبر الرسمي للتحاليل المواد السامة والطبية والشرعية. وظيفة، جعلتني خبيرا لدى المحاكم وكذا محاكم الاستئناف المغربية، بخصوص القضايا الجنائية الناتجة عن التسمم، ونظرا للطابع الحيادي والموضوعي، المرتبط باستدعائي للبث في قضايا العدالة، لم يكن بوسعي أبدا مواصلة التعبير بصراحة عن أفكار سياسية ملتزمة، لأن من شأن هذا إزعاج الذين عهدوا إلي بمسؤوليات الخبرة. أيضا، لامست أنفاس منعطفا آخر، يستحسن معه عدم الظهور كثيرا، نظرا لما اتسمت به الحقبة من هشاشة حرية التعبير. لم نكن نعلم، أننا في طور الانتقال إلى العمل السري، ما استشعرناه فقط، أننا بدأنا نخوض مجازفات صغيرة، لكنها ليست أبدا على درجة من الرعب. لذلك، عندما نستعيد تلك الوقائع حاليا، يمكننا أن نقرأ بكيفية ساخرة تلك الإجراءات الاحتياطية الواهية، لقد استغرقنا الأمر، لم نخطط لأي شيء، ولم نكن نعلم أننا نأخذ وجهة معارضة أكثر راديكالية، توخينا فقط الانتباه إلى عدم إفراطنا في المجازفة، بهذا المعنى ارتجلنا حسب تطور الأشياء. في هذا اللحظة، آمنت بضرورة ظهوري كتابة، عبر اسم مستعار، لأني اعتبرت من غير المفيد الخلط بين الأجناس، ثم أحترق مطلقا من أجل اليسير، فشرعت أكتب باسم مستعار، هو: عبد الكريم ظوفاري.

 

6-س-ما هو تأثير مساهمتكم؟

ج-اجتمعت هيأة تحرير مجلة أنفاس بانتظام، وقد شاركت بحماس مع أني تغيبت أحيانا، بحكم نشاطي المهني حيث دأبت على طي الفضاء المغربي، والذهاب إلى عين المكان، كلما وقعت حادثة تسمم خطيرة، من أجل مباشرة التحقيقات وصياغة التقارير. لكن، عموما حضرت الاجتماعات الأساسية،بما فيها تلك المنعقدة فترة بداية إفصاح المجلة، عن توجهها الجديد.

 

7-س-وماذا عن أنفاس (النسخة العربية)؟

ج-لقد اهتم بها فريق ثان، ولأن لغتي العربية اتسمت وقتها بالضعف، لم أتابع أنفاس الصادرة بالعربية، وإن تضمنت بعض كتاباتي فبفضل الترجمة، فقد شكلت الفرنسية باستمرار لغة كتاباتي.

 

8 –س-بخصوص مساهماتكم في المجلة، نجد باستفاضة تحاليل اقتصادية وسياسية، لقد انصب اهتمامكم أساسا على القضية العربية؟

ج- نعم استحوذت على اهتمامي بالدرجة الأولى، القضية العربية، فقد لعبت المأساة الفلسطينية دورا جوهريا، بخصوص التزامي السياسي. ربما أحال تفكيري على الاقتصاد أو المجتمع، الثقافي أو السياسي، غير أن القضية العربية استفزتني أكثر من غيرها، فطيلة سنواتي الجامعية بالديار الفرنسية، سيطر علي مثل كثير من الطلبة الآخرين المغتربين، الشعور بكوننا لا نُفهم، بحيث يعتبر في فرنسا أمرا عاديا، دفاعك عن الفيتناميين والكومبوديين وكذا اللاوسيين، ولا يطرح هذا أي إشكال عند الناس، لكن أن تتبنى قضية العرب في مواجهة إسرائيل، فسيقودك السعي بسرعة نحو المجازفة، بتصنيفك ضمن معاداة السامية !يلزمنا، إذن نحن المثقفين العرب الشروع في العمل بفعالية، دون التفات إلى لعنة الإدانة !

 

9-س-لكن يبدو أن الدفاع عن القضية العربية، بالنسبة للسياق المغربي، يعتبر أمرا عاديا؟

ج-نعم صحيح، لكن اهتمامي بالسياسة انطلق في فرنسا، بالتالي ما إن تنتابك حساسية كتلك حتى تسيطر عليك لمدة طويلة، بعد عودتك إلى الأرض العربية!يستمر الشعور.

 

10-س-هل منحتكم العودة، إرادة المبادرة، نحو فعل أكثر برغماتية؟

ج-نعم، فالذي دفعني شيئا ما كي أعود، طموحي أن أصير مفيدا. عندما كنت طالبا، وفي ذات الآن مناضلا، أظهرت تفوقا على مستوى تخصصي، ولذلك عندما أخبرت أستاذي برغبتي للعودة إلى المغرب، أجابني بقوله: ((لكن لما لا تبقى هنا؟ بوسعك إنجاز أطروحة دكتوراه والانكباب على أبحاث، وسأساعدك كي تحصل على منصب للتدريس في الجامعة وكذا الجنسية الفرنسية، ثم ستحقق هنا مسارا رائعا)). حقا طبيعة العرض مغرية، وكنت سأنشرح فعلا في فرنسا، غير أن نداء البلد فاق الاقتراح جاذبية. أيضا، أمي وأخي، احتاجا لتواجدي على مقربة منهما، لأني سندهما الوحيد.

 

11-س-نفس الحالة تنطبق على كل أفراد جيلكم؟

ج-نعم بالمطلق، لقد كانت حقبة مميزة، والالتزام يضع على كاهلك مسؤوليات. إجمالا، مقارنة مع الوقت الحالي، أضحى الشباب مهتما أكثر بمصيره الشخصي، بينما امتلك جيلنا هذا الحس الوطني، وتطلعنا إلى تقديم خدمة للبلد. لاسيما-أتكلم هنا على نحو شخصي وليس باسم الآخرين- تشبعت بإيديولوجيا التحرر التي سادت فرنسا أواخر الستينات، حيث تطلعت إلى الحرية كحاجة حيوية. أذكِّركم، أني تواجدت هناك بالفعل شهر ماي 1968، الذي كان بمثابة أنبوبة أوكسجين للجميع!حاليا، لا زلنا ندين بكثير من المكتسبات إلى لحظة ماي1968. فحينما نجهل وضعية فرنسا بداية الستينات، يصعب علينا تخيل قيمة منجز ماي 1968، ونتائجه خاصة بالنسبة للشباب!كانت ثورة ثقافية حقيقية!لذلك حينما تمر من هناك، تهيمن عليك الرغبة، كي تعيد تفعيل نفس المخطط داخل بلدك.

 

12-س-لكن تجلت لبنات أولى لمثل ذلك مع انتفاضة مارس 1965، ألم تشكل شيئا مهما جدا؟

ج-فيما يتعلق بنا، لا نندرج عفويا ضمن استمرارية مارس1965. صحيح، يسبق تاريخ الانتفاضة تاريخنا، لكن يظل انتماؤنا إلى صنف المثقفين، فسلكنا من جانبنا، مسلكا صغيرا، بينما جسَّد مارس1965، حركة شعبية. طبعا، تلاقت تطلعاتنا مع طموحات فئة واسعة من الجماهير، بيد أننا في نهاية المطاف، انتمينا إلى جزء من النخبة المثقفة. لقد تقاربنا، فيما بعد من خلال المطالب التي أفصحنا عنها، لكنه التقاء لم يكن طبيعيا، يجب حقا الإقرار بذلك، ما دمت قضيتنا تجاوزت مسألة تأمين الخبزاليومي، فلم تكن مطالبنا بداية اقتصادية أو اجتماعية، بل أردنا حقوقا ومزيدا من الحقوق والحريات، حتى نسعد أكثر. هدف، شكَّل حافزا أوليا، يترتب عليه الباقي.

 

13-س-هل تابعتم أنشطة جمعية البحث الثقافي؟

ج-نعم، حضرت اجتماعا واحدا أو اثنين. لقد شهدت جمعية البحث الثقافي، نفس تطور أنفاس تماما، بحيث ابتدأت مسارا، ثم مرحلة ثانية، غير أنها تفتت بشكل سريع، إذا كانت ذاكرتي جيدة. آنذاك، تميز الوضع في المغرب بالغليان. أصبح الاتحاد الوطني لطلبة المغرب راديكاليا، ثم خرجت تنظيمات معارضة من داخل النقابات والأحزاب، بمعنى اتسم المناخ العام بالمطالب والدعوة إلى النضال، من أجل سياسة تختلف عن التي تمارسها الأجهزة الشائخة. تبلور تطلع كبير لدى الشباب، وصرخ بدعوات تدافع عن حرية التعبير والاجتماع، وكذا تحديث العادات، هكذا اندرجت جمعية البحث الثقافي ضمن هذا التيار، وقد انضممت إليها لحظتها صحبة الرفاق. امتطيت القطار، خلال سيره، ثم نزلت منه بشكل سريع، نظرا لصعوبة أن أكون في كل مكان خلال الآن ذاته.

 

14-س-كيف ترون تطور مجلة أنفاس، ألا تظنون بأن القسم الثقافي يعلن عن الجانب السياسي، بناء على فحوى مقالاته، حتى ولو أتى فيما بعد مساهمون آخرون ملتزمون سياسيا، أخذوا هذه المجلة كمنبر، لأنه كانت لديهم وجهات نظر مشتركة، لكنهم لم يتابعوا بأنفسهم الجزء الأول، بل أحيانا لا يقرؤونه، ولم يكونوا بفنّانين ولا كتّاب بوسعهم توجيه تأويل من هذا النوع؟

ج-كل واحد، كان حرا فيما يكتب. أنا لم أعاين الحقبة الأولى للمجلة، بل التحقت بالفريق المشرف على أنفاس، منذ عددها المخصص لفلسطين، لكن على أية حال أعرف تاريخها. الجوهري، أنها كانت مجلة ثقافية، لكن هذا لم يمنع بعض المشاركين من امتلاك حرية القول، ربما أكثر من آخرين. صحيح، لما جاء مساهمون أكثر التزاما فيما بعد، فقد لعب ذلك دورا مهما جدا بالنسبة للدينامية التي أدت إلى أن تُغير أنفاس قليلا من اتجاهها ثم التزامها أكثر. النتيجة، أن بعض المساهمين القدامى لم يكونوا مستعدين لهذا التحول، فانسحبوا شيئا فشيئا أو انزووا جانبا، كما الأمر مع الطاهر بن جلون الذي تصور الالتزام بشكل مغاير، وحقه أن لا يتفق مع المسار الجديد. بدوره، شرع عبد الكبير الخطيبي في التراجع. أيضا، لم يكن قط النيسابوري، متحمسا جدا للتغير الذي بدأ يرتسم في الأفق. نعم، يكتب القصيدة الجميلة الملتزمة أحيانا، لكن بغير الذهاب إلى أبعد من ذلك، معتبرا بهذا الخصوص أن التزاما واسعا قد يؤثر سلبا على حريته كمبدع. كذلك، كان المليحي، أول المبتعدين. إذن، هؤلاء سيعوضهم آخرون، تماهوا بامتيازا مع النزوع الرافض، الذي أبانت عنه المجلة، فقط القدامى مثل اللعبي وشبعة تابعا نفس الطريق، الذي شقه اللعبي بنشاط. أما بخصوص السرفاتي، فلم يكن كاتبا للمجلة من الوهلة الأولى، بل التحق بفريقها لحظة تحولها. باختصار، مثلت سنة1970، فترة تحول مفصلية مع صدور العدد المخصص لفلسطين، الذي اعتُبر مسارا نوعيا قويا فيما يتعلق بتطور المجلة، على الأقل من وجهة نظري الشخصية حول القضية. أما أنفاس (النسخة العربية)، فقد انتمت إلى مرحلة ثالثة بعد أنفاس (النسخة الفرنسية) في شكلها الغرافيكي الجديد، أنفاس بمظهر آخر ترمز إلى نهضة معينة، على جميع وجهات النظر، قياسا مع بداياتها. ظهرت أنفاس (النسخة العربية) سنة1971، لأن جزءا من الفريق أثرته على امتداد هذا الوقت، عناصر جديدة لاسيما المثقفين المُعرّبين، دافعت عن شرعية فكرة ضرورة أن تخاطب المجلة أيضا، النخبة المتحدثة بالعربية. شخصيا، لا يمكنني الذهاب أبعد من هذا، لأني أساسا لست صاحب تكوين بالعربية، بالتالي انحصرت مساهمتي على صفحات أنفاس (النسخة الفرنسية)، غير أن اعتقالات بداية سنة 1972، وضعت نهاية لكل شيء.

 

15-س-هل ساهمتم في بلورة تأملات ''إلى الأمام'' أو"23مارس"؟

ج-بل، بخصوص التفكير العام حول الحاجة إلى خلق يسار جديد. لكني، لم أشارك عمليا، في التأسيس الفعلي لأي من التنظيمين، لأني تواجدت وقتها داخل السجن. حوالي سنة1971، بدأت تتجلى فكرة ضرورة هيكلة حركة الرفض، التي ظهرت خلال السنتين السابقتين. الصعوبة، أن المناضلين كانت لهم حساسيات سياسية وإيديولوجية مختلفة. قبل الانتهاء إلى مرحلة التأسيس، شرع المناضلون بداية، وقد انحدروا من حساسيات متباينة، وعلى نحو غير رسمي، في تبادل وجهات نظر ومقاربات تحليلية، سياق سيفرز فيما بعد تنظيمي ''إلى الأمام'' و''23مارس''، وعندما انطلقت أولى الاعتقالات، حيث اعتقلت بصحبة فريقي، فإن الحساسيتين الرئيستين، اللذين خططا بهدف توحيد مواقفهما، لم يوجدا وقتها إلا في إطار تيارين معروفين، تحت تسمية ''اتجاه أ'' و''اتجاه ب''. خلال أشهر فيما بعد، وبينما تقبع جماعتنا في السجن، أُعلن عن تأسيس ''إلى الأمام''، بمناسبة مؤتمر للمناضلين. أنا في الواقع، اعتقلت لأني بصحبة أنيس بلا فريج وجماعة من الرفاق، أسسنا مكتبا شعبيا للإعلام. هو، هيئة صغيرة، توخت تجميع معلومات حول القمع في البلد، والتعذيب والاختطافات والاعتقالات، نخبر عنها بنص مستنسخ باللغة العربية، ثم نوزعها في الأحياء ونبعثها إلى الجرائد والجمعيات، إلخ. بيد أننا، لم نتمكن سوى إصدار عددين من الجريدة، فاعتقالنا وضع حدا للتجربة.

 

16س-إذن لا علاقة للأمر بأنفاس؟

ج-نعم، لا صلة. طبعا، وضع البوليس عمدا كل الأشياء في سلة واحدة، ووجد في فكرة المؤامرة الكبرى لليسار المتطرف ضد الدولة، إطارا ملائما. خلال تلك الفترة، سيطرت علي نفس الحساسية التي وجهت تفكير ''إلى الأمام"، لكني صراحة لم أكن عضوا في التنظيم. فيما بعد، وأثناء الاعتقال، اختلفت مواقفي كثيرا عن رؤى الخط الرسمي، لـ "إلى الأمام'' لاسيما موقفها من الصحراء. لذلك، اتهموني ورفاقي، بالسعي إلى التجزيء، نظرا لاتخاذنا مبادرة تأسيس الوكالة الشعبية للإعلام، كما لو أن الانضواء في صفوف تيار سياسي، يمنع كل صيغة أخرى للفعل المستقل، مع أن الأمر تعلق فقط بفضح واقع القمع، ولا شيء غير هذا.

 

17-س-لقد كنتم أكثر قربا من تنظيم "23مارس"؟

ج-ليس كثيرا!لم أكن أكثر قربا من "23 مارس "مقارنة مع ''إلى الأمام''، لحظة اعتقالي، غير أنه فيما بعد، وبسبب قضية الصحراء صرت قريبا، من موقف ''23مارس''. كما أخبرتكم سابقا، فقد أتيحت إلي عقب الانتهاء من مساري الدراسي، فرصة المشاركة في بحث حول الرحل الصحراويين، الوضع الذي جعلني اكتشف أن هؤلاء الصحراويين، الذين فر أغلبهم من القمع الاسباني، يعتبرون أنفسهم بالمطلق مغاربة. لقد اجتمعت بهم داخل خيام، اقتصر أثاثها على صندوق وسجادة وحصير ثم صورة قديمة لمحمد الخامس معلقة فوق العمود المركزي. هكذا، عرفت طبيعة تفكير الصحراويين، قبل أن يصيروا موضوعا لتلاعبات مصلحية، أضحت واقعا قائما، لأن الدولة المغربية لم تعرف كيف تدعم عمليا هؤلاء الصحراويين، عندما انطلقت أولى بوادر مقاومة الاستعمار الاسباني. بالتأكيد، حينما تواجدت سنة1969، في منطقة غرب "واد النون"، وقفت على حقيقة أن الصحراويين اللاجئين من الساقية الحمراء، كانوا مغاربة مثل إخوانهم في الشمال: يشعرون بأنهم مغاربة، متشبثين بهذه القناعة، بل انضم العديد منهم إلى صفوف جيش التحرير الوطني. فيما بعد حدث التلاعب. إذن، انطلاقا من درايتي بهذه الحيثيات، ومعاينتي لها عن قرب، لا يمكنني بتاتا مشاطرة أفكار ''إلى الأمام''، بخصوص زعمهم لدولة صحراوية لها الحق في الاستقلال الذاتي أو الانفصال. لم نتساجل بهذا الخصوص سابقا، وانتظرنا ذلك إلى ما بعد سنة 1975، داخل زنازين السجن. ذات الموقف، تبناه المناضلون الذين بقوا خارج أسوار السجون. إجمالا، أثناء محاكمتنا خلال صيف سنة1973، لم أكن سواء إلى جانب مواقف "إلى الأمام''، أو منتميا إليها.

 

18-س-عند اعتقالكم، ألصقوا لكم هذه اليافطة، وحوكمتم في نفس الوقت مع اللعبي؟

ج-نعم، بالفعل لقد اعتقل البوليس ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى، نحن أفراد الوكالة الشعبية للإعلام. من جانبه، شكّل بلا فريج خلية لدعم القضية الفلسطينية، بصحبة فلسطيني وبعض من شباب الثانويات، الذين اعتقلوا بدورهم وألحقوا بفريقنا الصغير. أيضا، أُلحق بنا عبد اللطيف اللعبي، الذي اعتقل أثناء ذلك، ولم يكن له أي اتصال مباشر مع هذا الفريق الصغير. كما تعلمون، يكفي الشرطة قليلا، كي تمتد لها شبكات في كل مكان وتخلق المؤامرة. لقد وضعوا إخراجا لسيناريو، بكيفية مصطنعة، كما لو تعلق الوضع بتواطؤ التقى على أمر واحد. الحصيلة، التقينا مجددا في الاعتقال. حين مرورنا من تحقيقات درب مولاي الشريف، لم يطرحوا أمامنا قط أثناء محضر الاستماع، تهمة الانضواء ضمن تنظيم ''إلى الأمام''. شخصيا، استفسروني عن الوكالة الشعبية للإعلام، وكذا مجلة أنفاس. طبعا، فيما بعد وجهوا لنا جميعا تهمة المس بالأمن الداخلي للدولة. لكن، مرة أخرى لم تشر محاضر البوليس الشخصية، إلى ذكر تنظيم ''إلى الأمام''، لأنها لم تكن موجودة وقتها! بعد أشهر قليلة، اعتقلت مجموعة ثانية وثالثة، واتهم أعضاؤها على الفور بكونهم عناصر نشطة لتنظيم ''إلى الأمام''. استمر التحقيق، طيلة ثمانية عشر شهرا: اعتقل الأوائل من بيننا شهر مارس 1972، وجرت محاكمتنا شهر غشت1973. حينما استمعالبوليس إلى آخر مجموعة، دمج كل الملفات، ثم في إطار محضر تركيبي، وُضعنا جميعا-26عنصرا للمجموعات الثلاثة- في نفس الخانة. هكذا، استندت محكمة الدار البيضاء على المحضر الأخير، وخضعنا لذات المحاكمة بتهم المس بأمن الدولة والانتساب سواء إلى ''23 مارس" أو ''إلى الأمام''، وكذا تنظيم ثالث بالنسبة لعناصر أخرى. عملية توليف، مقصودة أرادها البوليس، لأن هذا يساعده على تضخيم الأفعال والمعطيات، كي يضرب بقوة باقي الخيالات، ويجعل منا عبرة للجميع. في الحقيقة، كانت هناك اختلافات بيننا، لاحقتنا طيلة فترة اعتقالنا. لقد حوكمت بعشر سنوات، ثم صدر في حقي عفو بعد انقضاء ست سنوات، توزعت مدتها بين سجن الدار البيضاء والقسم الأهم في القنيطرة. أطلق سراحنا سنة 1977، ولم يكن عددنا كبيرا: 8رفاق ضمن مجموعة قاربت 26فردا. خلال تلك الفترة، فوضت القمة الإسلامية رئيسها الملك الحسن الثاني، الدفاع عن مسألة القدس أمام الرئيس الأمريكي. لذلك، حدد الملك موعد شهر دجنبر، للقيام بزيارة إلى أمريكا. إعلان، التقطته التنظيمات الأمريكية لحقوق الإنسان، فتقدمت بوعد مفاده أنها ستحاول استغلال فرصة هذه الزيارة من أجل تحسيس الرأي العام الدولي، بقضية المعتقلين السياسيين في المغرب. هكذا، ساندتني منظمة العفو الدولية،ولأني متخصص في العلوم، ستتحرك هيئة علماء أوروبيين وأمريكيين، قصد التعبئة دفاعا عن حالتي. إذن، بادر الملك إلى إخراجنا من السجن، كي يجمِّل صورة المغرب على المستوى الخارجي. غادرت الزنزانة يوم 27نوفمبر 1977، بالمناسبة خلال أيام سأحتفل بالذكرى الثلاثين لمعانقتي الحرية، أقصد هنا الحلقة الأولى للإفراج عني، لأني سأعتقل ثانية سنة 1984، لكنها واقعة ترتبط بحكاية أخرى، بالتالي لنبقى عند سياق الأولى. أثناء استعداد الملك للذهاب إلى أمريكا، أعلن أنور السادات عن استعداده لزيارة القدس، ومباشرة مفاوضات مع الإسرائيليين. تصريح، أثار فورا موجة احتجاجات على امتداد العالم العربي، ثم إعادة تحديد للأهداف المطروحة من طرف القمة الإسلامية، بحيث صارت القضية الملحة هي منع السادات من توقيع اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل. واقع جديد، نتج عنه إلغاء زيارة الملك إلى نيويورك، فالظرفية الديبلوماسية الجديدة، جعلت هذا السفر بغير جدوى، مادام هدفه الأساسي تمثل في الترافع من أجل قضية القدس، بيد أن موقف السادات نسف كل شيء. لم يذهب الملك إلى أمريكا، في المقابل، استفدنا نحن من قرار إطلاق سراحنا، المرتبط بظرفية اقتضت انفراجا سياسيا. تلك، حيثيات الإفراج عني.

 

19-س-ماذا فعلتم بعد ذلك؟

ج-بعد مغادرتي السجن، كابدت كثيرا، كي أنطلق من جديد مهنيا. أردت أولا، العودة إلى الوظيفة التي مارستها قبل اعتقالي، لكنهم أجابوني بأن هذا غير ممكن لأن اسمي قد شطب عليه من سلك الوظيفة العمومية، ثم بمكابدة أيضا قررت الانتقال إلى العمل الحر. كذلك، حرمت من جواز السفر حتى سنة 1990، فاستفحال مشاكلي الصحية، حتمت مسألة ذهابي إلى فرنسا، كي أتلقى علاجات كبيرة. هكذا، سمحوا لي بمغادرة التراب الوطني، بعد مساعي بدلها زملائي. لكن، شهر يناير 1984، سأعتقل ثانية، ارتباطا بمظاهرات الجوع العفوية التي اهتز معها البلد، وشملت مدن تطوان وطنجة والدار البيضاء والرباط ومراكش، نتيجة الزيادة في أسعار الخبز والدقيق والمواد الغذائية الأساسية. بالمطلق، لا علاقة لي، كليا بمجريات الأمور، غير أن البوليس احتاج إلى أكباش فداء. عبر شاشة التلفزيون، وبنبرة غاضبة، ألقى الملك الحسن الثاني، بمسؤولية التحريض على أكتاف الماركسيين، مما استلزم أوتوماتيكيا وبأي ثمن العثور على متهمين، هكذا رمى البوليس إلى السجن بعدد من الشخصيات لها سوابق سياسية. النتيجة، وجدتني مرة ثانية، في ذات البوتقةمع مناضلين آخرين ومعتقلين سابقين. صدر في حقنا، حكم سريع، ثم أعيدت محاكمتنا في محكمة الاستئناف، ستة أشهر بعد ذلك. كانت هناك دلائل بديهية عن براءتنا الكلية، مثلما أن المحامين أنجزوا عملا مدهشا، الأمر الذي خلخل يقينيات المحكمة، مما دفعها خلال لحظة من اللحظات، قبول الاستماع إلى بعض شهادات النفي وضمنها أقاويلي، شيء لا يحدث في القضايا السياسية!بل أثناء الحكم، التمس وكيل الملك الإفراج عني، لكن رئيس المحكمة وجهته تعاليم، فحُكم عليّ بسنة مع وقف التنفيذ، ضدا على كل منطق، وبطريقة ظالمة لا تتصور أبدا. وقف للتنفيذ، لم يمح مع ذلك، الشهور الستة التي قضيتها في الاعتقال الاحتياطي!على مستوى تطوري الشخصي، وبعد مغادرتي زنزانة السجن سنة1977، رجعت إلى ما عشقته سابقا: الأعشاب الطبية واستعمالاتها النباتية في الثقافات التقليدية، فأصدرت كتابي الأول سنة 1978،حول موضوع: الطب التقليدي وعلم السموم في الغرب الصحراوي. إنه ثمرة بحث، أنجزته سنة1969،مباشرة عقب عودتي من فرنسا، ثم أغنيته فيما بعد خلال سنوات عملي بالمعهد الوطني للسلامة الصحية، وكتبت صفحاتهأثناء سنوات اعتقالي. حين خروجي من السجن، كانت مسودة العمل جاهزة للطبع، فدشن أولى إصداراتي، كما تُوج بجائزة المغرب سنة 1979، ثم واصلت رسم طريقي في ميدان البحث بنشر مؤلفات أخرى، تتناول الموضوع ذاته. أواخر سنة1989، بدأت أعاني مشاكل صحية كبرى، حتمت ذهابي إلى فرنسا، لم أتمكن من الحصول على جواز سفري سوى آخر سنة 1990. أردت السفر إذن، بهدف إجراء علاجات، لكنهم أوقفوني في المطار ومن تم إرجاعي خلال مناسبتين، فرغم تسلمي لجواز السفر، لكن اسمي لم يتم التشطيب عليه من لائحة بوليس الحدود، لأسباب أفترض بأنها تعود إلى خلل بيروقراطي. أخيرا، استطعت مغادرة المغرب، شهر أبريل 1992، وقد تطلبت حالتي الخضوع لعلاجات ثقيلة زمانيا، هكذا أقمت في مدينة ''ميتز''Metz، منتسبا كباحث إلى المعهد الأوروبي للايكولوجيا، وانتهزت الفرصة كي أنجز أطروحة دكتوراه في علوم الحياة. سنة2003، وبعد أربعة عشر سنة من الانتظار، أجريت أخيرا عملية زرع الكلي، ومنذئذ وأنا أنتقل باستمرار بين المغرب وفرنسا، بسبب ظروف العلاج. خلال كل هذه المدة، حرصت على نشاطي المهني (مصدر العيش) وكذا الشغف والحاجة الحيوية لأظل فاعلا. دائما، ذات الرغبة كي أقدم خدمة وأشتغل في أوراش تهم المصلحة العامة!البحث في علم النبات الشعبي، ثم مهمتي كمستشار في ميدان تقييم التنوع الحيوي والتنمية المستدامة، تشكل أكثر المجالات التي أحبها.

 

20-س-هل تواصلون الجانب النضالي؟

ج-أنااليوم عضو نشيط في منظمة العفو الدولية، كما أعمل مع منظمات غير حكومية، تهتم بحقل التنمية المستدامة، بيد أني لا أنتمي إلى أي تنظيم أو حركة سياسية.

 

21-س-هل كنتم على اتصال، مع هيئة مناهضة القمع في المغرب؟

ج-نعم كنت قريبا من هذه الهيئة في فرنسا. لقد، عاش المشهد الوطني منذ بداية سنوات2000، وقائع إيجابية كثيرة، بعد أن اعترف الحسن الثاني آخر حياته، بأخطاء ارتكبت في حقنا. هيئة الإنصاف والمصالحة، التي تأسست سنة 2004، عوضتني عن التعذيب الذي تعرضت له في الماضي.

 

22-هل تابعتم أنفاس(الفرنسية) وكذا أنفاس(العربية)السلسلة الجديدة؟

ج-لا، فيما يخصني توقفت تجربة أنفاس سنة1972. في المقابل، وعند مغادرتي السجن، ربطت الاتصال بمنظمة العفو الدولية، نظرا لدورها التضامني الفعال طيلة مدة اعتقالي، فمن بين مختلف الهيآت الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، تعتبر الفروع الدولية لمنظمة العفو الدولية الوحيدة التي بعثت لنا بمؤن ونقود ورسائل وخلقت لجنا للمساندة. لذلك، لما غادرت السجن، أحسست كما لو أنهم أقرضوني دينا وينبغي أن أرجعه لهم، فأسرعت منخرطا إلى جانبهم. بعد ذلك، حينما استقر بي الحال في مدينة ''ميتز''، انضممت إلى الفرع المحلي لمنظمة العفو الدولية، حيث عملت لصالح المعتقلين في كل العالم، وكان واجبا عليّ القيام بذلك.

 

23-كثير من الأفراد الذين مروا من أنفاس، لاسيما عبر التجربة النضالية، صاروا مناضلين حقوقيين. خلال تلك الفترة، لم يمتلكوا وعيا بحقوق الإنسان، بالمعنى الذي نقصده اليوم، لكن يبدو أن تجربة السجن لعبت دورا كبيرا فيما يتعلق بهذا الوعي؟

ج-صحيح، لكن المسألة لا تنحصر فقط عند ذلك. لدي تفسيرا متكاملا، يتناسب مع منحدر ثان للحقيقة، لأني التقيت كثيرا من المعتقلين القدامى، وتناقشنا فيما بيننا. عدد من المناضلين، خاب أملهم في التنظيمات السياسية، ولا يعترفون بها سواء كانت تقليدية أو منتمية إلى اليسار الديمقراطي. أيضا، وفي كل مكان من العالم، قادت الراديكالية إلى الفشل، ومن جهة ثانية، لم تٌنتزع مختلف التطورات الأخيرة، التي عرفها ميدان الحريات والحق، سوى بوسائل ديمقراطية. لكن في ذات الوقت، نشعر جميعا، بالحاجة الدائمة إلى القيام بشيء ما. بدت، لنا فكرة التركيز على حقوق الإنسان، مثالية كي نبقى إيجابيين نحو وطننا، ومنسجمين مع تصوراتنا، مع الاشتغال في نطاق الشرعية الكاملة، والانخراط الذي يفرضه عمل كهذا، ليس بالتزام ولائي، لكنه التزام فردي يستجيب فقط لذاته. كثير منا، ضاقوا ذرعا من التمركز الديمقراطي، وأدوا تكاليف ذلك، ولما اكتشفوا في هذا النوع من الجمعيات، فضاء ملائما، واصلوا نضالهم، مع احتفاظهم على حريتهم، تفكيرا وفعلا. ليس دقيقا إذن، أننا لم ندرك سابقا أهمية المعركة من أجل هذه القضية، بل كنا دائما كذلك، بحيث شغلت حقوق الإنسان نواة فعلنا السياسي. حينما أسسنا نحن مجموعة من الرفاق سنة1971، الوكالة الشعبية للمعلومة، فمن أجل: فضح واقع التعذيب والاعتقالات وانتهاك حقوق الأفراد والفساد والاستبداد. وإن لم تتم صياغة، هذه القضية دائما بوضوح، فقد احتلت مركز اهتمام اليسار الديمقراطي. بالتالي، لا يمكننا القول، أنه مجال جديد اكتشف منذ فترة قليلة، بل شهد بالأحرى تكييفا جديدا.

 

24-س-ماهي خلاصتكم لأنفاس؟

ج-كانت أنفاس تجربة جميلة جدا، للصداقة والرفقة والاقتساموالتبادل الفكري والإبداع. تضمنت المغامرة، نصيبا من الرومانسية الثورية، جعلتنا أفضل ومكنتنا من تطوير أفكار رائعة، وتعميم الخطاب الصائب. لقد شكل السجن بالنسبة إلي، تجربة ثرية: تعلمت أشياء عدة، قرأت كثيرا خلال الفترة، وتثقفت بفضل علاقتي مع الآخرين والكتب، مثلما استوعبت ذاتي، فست سنوات ليست بالمدة القصيرة. أعتقد بأني عرفت كيفية تحويل، الزمن الضائع إلى آخر مثمر. حتما، لا أريد هنا سوى استعادة الايجابي. كان سياقا غنيا، بالنسبة لنا جميعا، بخصوص مفاهيم المعارف وكذا تمثل الحياة. إجمالا، لا أضمر أي ذكرى سيئة عن السجن. فضاء، حققنا بين أركانه، ارتقاء خلال تلك الفترة من حياتنا: لقد كان السجن مدرسة.

 

25-س-بخصوص الذين استعصى عليهم اجتياز المرحلة: هناك شهادات حول أفراد أصيبوا بالجنون، وآخرين يجرون تبعات ثقيلة صحيا..

ج –أنا ضمن طليعة هؤلاء!فقد أضعفتني فيزيائيا، إضراباتنا عن الطعام. بعضنا عانى من التأثير بشكل سريع، وآخرين بعد مرور سنوات، وعلى نفقتهم الخاصة، لكن جل ذلك لا شيء، ففي قلب المأساة، حققنا كثيرا من الأفراح الصغيرة. لا يمكنك، تخيل نعمة العثور على وقت لذاتك، وتتواجد ثانية معها، كتبنا جميعا، وقرأنا باستفاضة، وتبادلنا الأفكار بسخاء. طبعا، إلى جانب هذا، جرت بيننا صراعات داخلية، وعانينا أزمنة صعبة بخصوص الجانب الصحي. بعض الرفاق، كانوا سندا لعائلاتهم، التي ستواجه مشاكل مادية ضخمة، ورفاق آخرين تبخرت مشاريعهم الزوجية، بالنسبة لهؤلاء كانت الفترة حقا صعبة جدا. المهم، كيفما تواترت الوقائع، أعتقد بأن لحظة السجن غنية، بالتالي لا أتحسر على أي شيء، وأظن التجربة قد غيرتني جذريا، بل جعلت مني شخصا ناضجا، فلولا امتحان الاعتقال ماكنت لأحقق المستوى الذي أدركته حاليا.

 

26-س-وماذا عن مجلة أنفاس؟

ج-لم تصدر أنفاس (النسخة الفرنسية) قط منذ 1972، تزامنا مع اعتقالاتنا. لكن نظيرتها العربية، استمرت لفترة قليلة، بدوننا. استمر إشعاع فكرة المجلة لمدة طويلة، ولعبت أنفاس بالفعل دور إعلام المرحلة وما اقتضته من مطالب. الدليل، أن مجلة أنفاس، لازالت حتى الآن، مجال أحاديث الناس، بل موضوعا لأطروحات علمية.

  سعيد بوخليط، كاتب مغربي

http://saidboukhlet.com

 *هامش:

Kenza Sefrioui: la revue souffles(1966 1970) ;espoirs de révolution culturelle au Maroc ;éditions du Sirocco ;pp372 ;393.

 

 

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)