ذاكرة أنفاس: حوار مع طوني ماريني

حاورتها: زكية الصفريوي

ترجمة: سعيد بوخليط

 1-س- ماهي حيثيات نسجكم، لعلاقات مع مجموعة أنفاس؟

ج-بين سنتي 1964و1965، حينما قدمت من أجل تدريس تاريخ الفن بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، في نفس لحظة الفنان التشكيلي محمد المليحي(الذي سيدرس التشكيل). بدعوة من الفنان فريد بلكاهية (الذي كان مديرا جديدا). ثم ارتبطنا بعلاقات مع الشاعر مصطفى النيسابوري. هكذا، شكّلنا ''فريقا صغيرا" من الأصدقاء، تقاسموا نفس الأفكار والرؤى والمشاريع، ويناضلون ثقافيا من أجل النهوض بالوضعية الفنية بالمغرب، المحكومة بثقل السياسة الثقافية الكولونيالية. على الفور، جذبت مبادرة تشكيليي مدرسة الفنون الجميلة(دروس جديدة، أبحاث ودراسات في المدرسة نفسها، ثم عروض جماعية في الفضاءات العمومية، وبيانات، إلخ)دعم وتعاطف فنانين وشعراء ومثقفين. قدم لنا النيسابوري الشاعر عبد اللطيف اللعبي، فجمعتنا مباشرة صداقة. في غضون ذلك، كان اللعبي، يفكر في إخراج مجلة أدبية بمعية خير الدين والنيسابوري. الأخير، سبق له أن أصدر سنة1963، عمله: مياه حية. ثم مع خير الدين، المجلة الصغيرة: القصيدة كليا. شهر يناير1966، بادر الفنانون التشكيليون بلكاهية وشبعة والمليحي- مع نصه كتبته لهم على سبيل التقديم- إلى إقامة معرض بباب الرواح في الرباط. أيضا، خلال الفصل الأول، من سنة1966، شهد ميلاد مجلة أنفاس المدعومة من نفس فريق الفنانين التشكيليين، والذين أثثوا صفحات العدد الأول. الجسر الممتد بين التشكيليين والشعراء، من الدار البيضاء إلى الرباط، أطلق العنان لطاقات ومشاريع. بكلمات أخرى، التقيت النيسابوري واللعبي(صاحبا فكرة المجلة)قبل ظهور أنفاس(وقتئذ غادر خير الدين نحو فرنسا). فكرة تبلورت على أرض الواقع بفضل دعم تشكيليي الدار البيضاء.

2 –س-ما الذي قادكم إلى الكتابة في المجلة؟

ج-الصداقة، مشاطرة الآراء، ثم الحجج التي تهمنا. معطيات، جعلتنا نتعاون بحماس. ولأنه سبق، أن قدمت بعض الفنانين التشكيليين في المغرب، فقد دعاني اللعبي، كي أكتب حول الوضعية الفنية.

3-س-ماهي طبيعة علاقاتكم بجماعة أنفاس، لاسيما أنكم من النساء القليلات جدا، اللواتي ظهر اسمهن على صفحات المجلة، إضافة إلى كونكم إيطالية؟

ج-ولأني إيطالية ولست فرنسية، فقد مثل الأمر امتيازا. لقد تسلى الأصدقاء بنبرتي الايطالية، ونعتوني خاصة بـ''متوسطية الجنوب"، هكذا بقيتُ مستقلة عن الإطار الفرانكفوني، وكذا الأبوية الثقافية، التي رفضتها المجلة واستبعدتها. بغض النظر عن جوسلين اللعبي – دون حضورها ودعمها وتعاونها، لم يكن بوسع مشروع أنفاس أن يأخذ بالتأكيد الوجهة التي اتخذها- وكذا بعض النساء الأخريات اللواتي تلاقين ضمن مسار أنشطة متعددة للمجلة، فصحيح أن أغلب المتعاونين كانوا رجالا. مسألة، مألوفة بالنسبة للممارسات الثقافية عموما، وليس فقط في المغرب. لقد اعتدت في إيطاليا (حيث شرعت قبل ذلك في الكتابة وإبان خوض ''الحركة النسائية'' لنضالاتها'') الإفصاح عن مشاركتي بكل مساواة، وطبيعيا دون عقد كثيرة. بالتأكيد، حدث معي في المغرب، خلال مناسبات معينة، أن نشرت نصا بغير توقيع (على سبيل الذكر، البيان الصغير على ضوء معرض الفنانين التشكيليين في جامع الفنا سنة 1969)، سواء لأني كشفت عبر الكتابة، عن دلائل ناقشناها جماعة، أو لأني امرأة وأجنبية، بالتالي يستحسن أن أكتفي بالإيماء داخل الفريق نفسه، ولم يكن هينا، الحرص على هذا التوازن. كان الإيديولوجيون، من كل الروافد، بصدد التقدم شيئا فشيئا على أرض الميدان، يفزعهم الحماس ربما المثالي جدا والأخوي، لعقولنا المبدعة والكوسموبوليتية. مما لاشك فيه، بوسع صداقة الفنانين والشعراء، وتقاسمهم الآراء، أن تكون أفضل، من يحدث ثغرة ضمن جدار الذكورية. ذكورية، مع ذلك لا تٌقصد في ذاتها، لأن مسألة تحرير النساء، لدى جماعة أنفاس، ومساهمتهن في الحياة السوسيو-ثقافية، كان مضمرا ضمن ''حزمة'' التغيرات، التي اعتُبرت جوهرية بالنسبة لثقافة وطنية جديدة. لذلك، يبدو لي، حينما تناول نساء المغرب الكلام، فُهمت رسالة أنفاس، عند الذين يحملون الجوهري ويبثون الطليعي، على الرغم من بعض تناقضاتهم.

4-س-هل تأسست من استمرارية، بين أنشطتكم التدريسية في مدرسة الفنون الجميلة، ثم مقالاتكم على صفحات أنفاس؟

ج-يتعلق الأمر، بتجربتين متكاملتين. لكن الحديث، عن ''استمرارية'' هو نسيان أن ''إبداعاتنا''(أستعمل ضمير نحن، لأن هناك حقيقة فعلا مشتركا من طرف أعضاء الفريق) للعالم تجعلنا في مواجهة العديد من القضايا، غير المتوقعة غالبا. لم أكتب لأنفاس، قدر ما تمنيت. وكانت نصوصي عبارة عن مقالات نقدية مقتضبة. لقد انخرط، كل واحد منا على مستوى جبهات عدة(أبحاث، أنشطة. عائلة، تدريس)، أيضا لم نمتلك إلا القليل من الوسائل، وكرّسنا وقتا كبيرا ونحن نخوض في سجالات لانهائية، قدر كونها مثيرة. أظن، أنه فيما يخصني، بوسعي الحديث عن "استمرارية" فقط فيما بعد. أي بناء على تجارب مدرسة الفنون الجميلة ثم مع تراث أنفاس، واصلت على امتداد سنوات ويمكنني القول حتى الآن، مسارا بحثيا لتوثيق وتحليل الفنون في المغرب والبلدان المغاربية، قدر انسجامها مع ما سجلنا بخصوصه وكتبناه ودرّسناه وحلمنا به.

5-س-لقد أنجزتم عملا رائعا في ميدان النقد الفني بالمغرب. فما هي نظرتكم حاليا، لوضعية الفنون التشكيلية في البلد؟

ج-لا يمكنني التحدث عن الوضعية الآنية للفنون التشكيلية في المغرب، لأني أعيش في إيطاليا، بينما فترة إقامتي بالمغرب سنوات (1964-1987)، فقد كنت -حسب تعبير بيير روزتاني Restany في تقديمه لعملي: كتابات حول الفن (الرباط، 1990)-"رفيقة الدرب"، لعدد من الفنانين وكذا المشاريع الثقافية ثم رحلت، وأنا أتقاسم مشروعا يتطور، تفعّله سجالات وتأملات، تنهض على ألفة ملموسة مع النصوص والأساليب والأفكار. لقد تحدث البعض عن "ناقدة مناضلة"، ربما. …لحسن حظي، سيبرز في المقام الأول، تكويني الذاتي على مستوى التاريخ والأنثروبولوجيا الثقافية، وبشكل أكثر دقة، تاريخ الفن، مما يجبرني على الاحتفاظ برؤية أكثر شمولا وتوثيقا، ثم أبحث وأموضع الخطوط الكبرى، التي يتجذر فيها الفن المغربي الحديث والمعاصر. أمام الشعارات الاستعمارية الجديدة، على نمط ''بالكاد ولد الفن التشكيلي المغربي الفتي'' أو ''لقد جاء الفن التشكيلي المغربي مع حقائب الاستعمار"، هكذا طرحت قراءة مغايرة تستند على التاريخ وتقف عند مفترق الطرق بين البحر الأبيض المتوسط، والشرق وإفريقيا، بل والعودة إلى ما قبل التاريخ- تجيز لنا القول بأن: "الفن التشكيلي المغربي "الحديث"(والمغاربي)، كان أصلا هنا من خلال الثراء الفني ثم ميراث مختلف تقاليده". مع ذلك، ينبغي أولا معرفة هذا الميراث (الجمالي، التقني، الأيقوني، الرمزي، إلخ) وتوثيقه و"تخليصه من الجمرك'' و''تحقيق الاختراق الاقتصادي" ثم إرجاعه إلى الذات، عبر سيرورة القطائع، والتساؤل، والقلق والوعي بالتاريخ والذاكرة. إن القطيعة الابستمولوجية (مثلما كتب الفيلسوف الجابري)، هي الفعل الذهني المحدث ل"تسديد الرسوم الجمركية''. هذا سيكون ممكنا أيضا، تحديدا بفضل الوضعية الفنية والثقافية، التي عاينتها خلال سنوات الستينات. انطلاقا من هنا، فالسيرورة المتبلورة، لا يمكنها أبدا أن تتم عرقلتها- طبعا مثلما في أي مكان مع هذا العبء لمناخ ما بعد الحداثة- تبرز مشاكل جديدة، ولحظات جمود، ثم إفراط في الابتذال باسم ''سوق الفن''، بيد أن خصوصيات الخلق والإبداع، يمكنها الاعتماد، بفضل الحقبة التاريخية لسنوات 1960، على ذاكرة للذات تمنح قوة للتعبير الفردي. هكذا، إذا استعصى عليّ بصدق الإدلاء برأيي الشخصي، حول الفنانين الجدد، والوضعية الحالية للفنون التشكيلية بالمغرب، فإني على أية أواصل الاهتمام بهذا المجال، وتوثيق الخطوط الكبرى لوضعية الفنون، ومقاربتها في علاقتها بالتاريخ الفني المغربي-المتوسطي، غير أنه سعي لا يتوقف هنا. مادام، لا يتعلق الأمر فعلا بالحفاظ على هذا الفضاء المشترك للفن والذاكرة، بل كذلك الدفاع عن استقلالية الإبداع ضد نوع من التسوية ''الشاملة''، والأحادية و كذا المنحى التجاري.

6-س-هل تعتقدون أن أطروحات مجلة أنفاس، لازالت تمتلك راهنية؟

ج-تشكل بعضها تقريبا بطريقة فورية، أي عمليا في الميدان، من أجل هدف سجالي وفق نبرة غاضبة. طبعا قد تبدو اليوم متجاوزة، أو تعكر صفو الجامعيين و''الأدباء''. نصوصي الخاصة، مثلا!!كتبتها بفرنسية لازالت وقتها تتحسس وسجالية. الرسالة التي نستعيدها منها اليوم، تركز خاصة على المعركة الأبدية ضد الابتذال الرسمي للفن. أيضا، بعض القصائد ''الكَلَبية'' ذات القوة الكبرى سنوات1960، بوسعها اليوم أن تزعزع أو تزعج. مع ذلك، تمر القطيعة عبر هذا السبيل. في مجملها، تضمنت النصوص تأملات ومقاربات، وطرحت حشدا من الحجج الثقافية قدر كونها سوسيو-سياسية، بحيث يبدو أن بعضها لازال معاصرا جدا. لقد امتلك اللعبي الشجاعة والشغف، كي يتطلع نحو أفق بعيد جدا، متصديا للقضايا في بعدها الأساسي، ويروم في ذات الوقت صوب منظور مستقبلي. لازالت إلى اليوم، دالة استدلالاته وكتاباته وكذا ما صاغه مختلف المتعاونين مع المجلة. أيضا، أثار اللعبي من حوله حماسة طاقات فكرية، لا يمكننا أن نتجاهل حاليا دورها الريادي. شهادتي الخاصة، تنصب أساسا على المرحلة الأولى لأنفاس (1966-1969) الأكثر إبداعية في رأيي، والتي سبقت المرحلة الإيديولوجية عندما تبنت شكلا جديدا، وأدركت حقبة مختلفة، سياسيا مهمة بالتأكيد، لكنها أحيانا أظن، ضمن إطار دوغماطيقي.

7-س-ما الذكرى التي لازلتم تحتفظون بها، من هذه التجربة وكذا الحقبة؟

ج-ذكرى حقبة اتسمت بحيوية كبرى وجرأة ورؤية واستقلالية الفكر ثم سخاء وشغف ثقافيين. بالنسبة إلي، هي تجربة للتكوين وكذا مسار طموح.

8-ماهي رؤيتكم حاليا لمجلة أنفاس؟

ج-لقد قدمت مؤخرا، شهادة تاريخية موثقة حول أنفاس، لدليل تظاهرة الفن الحديث والمعاصر المسماة ''la documenta''(مدينة كاسل الألمانية). نظرتي راهنا إلى المجلة، عدّلها الزمان والسن والتجربة، مع ذلك تؤكد ما فكرت فيه وأحسست به وأنا شابة ''رفيقة درب" أولى سنوات الإصدار، بالرغم من لحظات متأزمة وتضارب التوجهات الإيديولوجية، التي انتهت إلى الانشقاق داخل المجلة. إن، دورها ورسالتها وصرخاتها وتجرؤها والدلائل التي عرضها جيل رائع من الشعراء والمثقفين، الذين خلخلوا في العمق الوضعية الأدبية والثقافية داخل المغرب، وامتداد أصداء ذلك إلى الجغرافية المغاربية بل وأبعد منها. كل هذا لم يحدث بدون ألم أو أخطاء، غير أنه يبقى مآلا حتميا وسياقا صحيا. أراد المشنعون بأنفاس أم رفضوا(لازالوا على قيد الحياة)، فقد دخلت أنفاس التاريخ، لأنها"صنعت''حقبة من تاريخ المغرب الحديث، وجسدت نواة جاذبية لطاقات فتية، خلقت تغيرات وأذاعت أفكارا جديدة، بحيث لا يمكننا الحديث عن أنفاس اليوم، دون الإقرار لها بهذا الدور والمكتسب. 

 

سعيد بوخليط، كاتب مغربي

http://saidboukhlet.com

 *هامش:

Kenza Sefrioui: la revue souffles(1966 1970) ;espoirs de révolution culturelle au Maroc ;éditions du Sirocco ;pp371 ;375

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)