علاء الأعرجي - الانتفاضة، هل نتعلم من الماضي

كان الاستاذ محمد حسنين هيكل صريحاً عندما أعلن بجرأة ان القضية الفلسطينية اصبحت بقايا قضية بقايا صراع وان شارون نجح في خطته الى اقصى حد، قائلاً: إن شارون حقق كل اهدافه، كل الاهداف اللي جاي من اجلها. هو جاء وهدفه هو بالضبط ازالة ما بقي من القضية الفلسطينية وازالة ما بقي من القضية الاساسية ، واضاف فلم تبق الا جيوب. ما هو قادم مجرد بقايا، نبقى عليها لكي نبكي على أطلال فترة فاتت (الحلقة الثامنة، الجزيرة ). وهذا تصريح خطير جداً، يخالف معظم النظريات المتفائلة التي تكرر ان الانتفاضة الفلسطينية الاخيرة قد حققت أهدافها ووضعت شارون في أزمة وان اسرائيل تواجه هجرة معاكسة وازمة مالية، والى آخره من الاقوال التطمينية والتجميلية للوضع المأسوي القائم في فلسطين. وهو بذلك يسخر من هذا الطرح الذي يضر بالقضية ويصرف النظر عن مواجهة الحقيقة المرّة.

كما يفسر نظريته هذه ويسندها بأربعة عوامل لم تتوافر لرئيس وزراء اسرائيلي سابق كما توافرت لشارون: 1) قوة يستطيع أن ينفذ بها دون حياء ودون خشية ما يطلبه المشروع الاسرائيلي ، 2) شارع او رأي عام يؤيد ما يصنعه قائد او رئيس الوزارة ويستطيع ان يفرضه ويستطيع ان يمر به من خلال الموقف الاقليمي ومن خلال الموقف الدولي ، 3) تأييد كامل من المؤسسة العسكرية ، 4) الحاجة الرابعة، وهي أهمهم كلهم، تأييد الولايات المتحدة لما يفعل ، كما يقول بالنص.

لذلك فهو يعتبر ان القضية الفلسطينية منتهية لمصلحة اسرائيل. وبعد تصفية هذا الجيب ، كما يسمي القضية الفلسطينية، فإن البلدان العربية ستكون محصولاً حاصلاً. أي أن اسرائيل ستضع هذا الجيب الصغير في جيبها الكبير ، مع جميع البلدان العربية التي ستسارع الى الانبطاح . وستدخل اسرائيل في المرحلة التالية البعيدة، وهي تجاوز البلدان العربية الى البلدان الآسيوية القريبة ثم البعيدة، كما يرى هيكل. ويدل هذا الطرح على مدى الوهم الذي يغرق فيه العرب، وبالاحرى النوم الذي يغرقون فيه منذ اكثر من نصف قرن.

في أحد احياء نيويورك الشعبية المتواضعة، لي صديق عربي بقّال، اعتبره فيلسوفاً بالسليقة، اشتري منه الصحف العربية والخبز البلدي والجبن والزيتون وغيرها، وغالباً ما يهمني ان استطلع رأيه في السياسة. ولعل أهم ما كان يردده، منذ عرفته قبل سنوات طويلة، قوله انني لم أعد اسأل ربي، سبحانه وتعالى، ان يُحسّن اوضاعنا، بل اسأله فقط أن يبقي اوضاعنا  السيئة جداً في وطننا الأم على حالها الراهنة من السوء، وان لا يزيدها سوءاً .

ولعل هذا كان أصدق وأبلغ وأحكم دعاء يظل يرنّ في أذني، كلما أرقب كل ما يحدث ويتبلور في الوطن العربي اليوم، وخاصة في فلسطين والعراق والسودان وسوريا وغيرها. ولكن سنقصر موضوعنا اليوم على الانتفاضة، ما لها وما عليها، بعد مرور اربع سنوات.

عندما هبت جماهير الشعب الفلسطيني في انتفاضة الاقصى منذ سنوات، استبشرت الشعوب العربية والاسلامية خيراً بها وأيدتها بجماهيرها التي خرجت عن بكرة أبيها في تظاهرات واسعة في مختلف ارجاء الوطن العربي والاسلامي، رغم جميع القيود واساليب القمع التي لقيتها من معظم الحكومات. هذا فضلاً عن التظاهرات الحاشدة التي جرت في معظم المدن والعواصم الاوروبية والاميركية، وقد شاركت شخصياً في جميع التظاهرات الحاشدة التي جرت في نيويورك. وكانت صور الطفل الشهيد محمد الدرة ووالده الجريح الذي يهدهد جثته، تتقدم كل تظاهرة.

وبعد اسبوع من اندلاعها، قدم كاتب هذه السطور شكره الجزيل للسيد شارون على زيارته التاريخية للحرم الشريف لانها أججت انتفاضة الاقصى فأنقذ الامة من الطريق المسدود، ونفض أكوام الرماد عن الجمر الذي كان يتزايد اتقاداً في الشارع الفلسطيني والشارع العربي والاسلامي عامة . وشكره لأنه وحد شملنا مع ابنائنا واخواننا العرب في اسرائيل من عام 1948، فأوقد نخوتهم ومشاعرهم المكبوتة. وشكره، بين امور اخرى، لأنه نسف مهزلة مفاوضات التسوية وهرولة معظم الزعماء العرب نحو التطبيع والتضييع. فكيف يمكن أن تكون هناك مفاوضات مشروعة بين الذئب والحمل؟ ( القدس العربي في 5/10/2000).

لذلك كنا وسنبقى نعتقد بل نؤمن بأن المقاومة هي الخيار الوحيد امام الشعب الفلسطيني، ونرى ان جميع المشاريع التسووية التي طرحتها اميركا وحلفاؤها لن تؤدي الى أية نتيجة.

ولكن السؤال المطروح كيف يجب أن تكون المقاومة؟ او بالاحرى هل من الضروري ان تكون المقاومة مسلحة، ام الافضل أن تكون سلمية؟

واجه كاتب هذه السطور هذا السؤال الصعب من مقدم برنامج العرب  والسياسة الأستاذ أحمد العيسوي ، في قناة التلفزيون العربي في نيويورك، بعد اندلاع الانتفاضة باسبوعين. ومع ذلك فقد أشرت بصراحة الى ان تحول الانتفاضة من مقاومة شعبية غير مسلحة، تعتمد على زخم الضغط الجماهيري اليومي، واطفال الحجارة الذين يواجهون الدبابات باجساهم الفتية؛ اقول تحولها من مقاومة جماهيرية سلمية الى مقاومة مسلحة، سيؤدي الى تقديم أعظم خدمة لاسرائيل، في اطلاق يدها لقمعها، بجميع الوسائل العسكرية الجبارة التي تمتلكها، وذلك باعتبارها عملاً ارهابياً يستهدف وجود اسرائيل وكيانها، فضلاً عن اسباب متعددة ذكرت بعضها، اضافة الى الابعاد التي اضيفت اليها في ضوء احداث الحادي عشر من ايلول 2001، في ما بعد.

فلماذا كان من الافضل ان تظل المقاومة غير مسلحة؟

-1 قطع الطريق على اسرائيل في استخدام القوة او الذخيرة الحية لقمع التظاهرات السلمية، او حتى لمواجهة اطفال الحجارة. وفي حالة استخدامها، كما حدث في بداية الانتفاضة، سيؤدي ذلك الى الاضرار بموقف اسرائيل وسمعتها، او خسارتها على الصعيد السياسي. وسوف تضطر لوقفها اخيراً بسبب الضغط الدولي. وفي اسوأ الاحوال سيكون هناك ضحايا، ولكن في حالة المقاومة السلمية لن يمكن تبرير ذلك، بالسهولة التي يوفرها لها قيام مقاومة مسلحة. ففي المراحل الاولى من الانتفاضة، حاول باراك، أن يبرر موقفه بالحجة التقليدية: الدفاع عن النفس، فألقمته صحافية غربية حجراً، قائلة: لا أفهم ذلك، والواقع يشهد على العكس تماماً، لأن هناك اكثر من عشرات القتلى من الشباب والاطفال من الجانب الفلسطيني الاعزل، دون وجود أية اصابات خطرة لدى الجانب الاسرائيلي، خاصة انكم تمثلون السلطة المحتلة الخاضعة لاتفاقات جنيف لحماية المدنيين .

-2 سيكون وقع سقوط الضحايا، دون أن يحملوا أي سلاح، اكثر ألف مرة من سقوطهم وهم يحملون السلاح، او يسقطون في عمليات استشهادية قد يقتل فيها الابرياء في نظر المجتمع العالمي. وقد قلنا بأن الضحايا سيسقطون، بكل أسف وألم، في جميع الاحوال، وقد سقطوا بالالوف بالفعل، ولكن في حالة المقاومة السلمية سيكون عدد الضحايا أقل بكثير. كما لن تتمكن اية جهة، مهما كانت موتورة، من اتهام الشعب الفلسطيني الاعزل او لومه. وسنربح الرأي العام العالمي، وخاصة الاوروبي، وبالطبع العربي والاسلامي، ومن باب اولى. ولن تجرأ اميركا على المضي في تأييد اسرائيل لدى قمعها تلك التظاهرات السلمية بالقوة، التي استخدمتها في ما بعد، في قمع المقاومة المسلحة. ولا يمكنها ان تتهم هذه المقاومة الشعبية غير المسلحة بالارهاب. كما سوف لا تجسر على استخدام حق الفيتو الذي اسقطت بواسطته قرار مجلس الامن الاخير باعتباره غير متوازن ولا يدين العمليات الارهابية ضد اسرائيل.

-3 إن المقاومة المسلحة سوف تعجز، في الغالب، عن مقاومة عدو مدجج بالسلاح الحديث، وبأحدث وسائل الاستخبارات المتقدمة. وهذا ما حدث ويحدث فعلاً لدى قيام اسرائيل بتصفية مئات من الناشطين في حركات المقاومة المسلحة ( حماس و الجهاد و فتح وغيرها)، من خلال تتبع حركاتهم وسكناتهم، في بيوتهم ومقار اجتماعاتهم، او خلال تحركاتهم، وضربهم في المكان والزمان المناسبين بدقة متناهية. وهكذا فإنها نجحت في تصفية ضحاياها المستهدفين في 95 في المئة من الحالات او اكثر. وهذه الظاهرة لم تكن مسبوقة، ولم يحسب لها الجانب الفلسطيني اي حساب. بدليل أنه كان يفاجأ في كل مرة بحادث يؤدي بحياة أحد الناشطين او مجموعة منهم، دون أن يتمكن من حمايتهم او حتى تجنب تعرضهم للخطر. ويرجع ذلك ايضاً الى التخلف التنظيمي والتكتيكي لدى الفلسطينيين. فضلاً عن دلالاتها الحاسمة على وجود عملاء فلسطينيين لاسرائيل داخل الجسد الفلسطيني القريب من هذه الحركات وربما داخلها بالفعل، ومن الصعب التغلب عليهم، كما يبدو.

-4 اما الحكومات العربية فمن الواضح بل من المخجل تماماً ان تظل عاجزة تماماً عن دعم الانتفاضة خاصة في وضعها المسلح الراهن. (في حين تبادر دول اخرى مثل تركيا للاحتجاج على اسرائيل كما حدث اخيراً). وربما ستكون الدول العربية اكثر اضطراراً امام شعوبها والعالم لتأييد الانتفاضة ودعمها ورفع صوتها ضد ممارسات اسرائيل الاجرامية، في حالة بقائها سلمية. ونحن نلاحظ أن مصر تضطلع اليوم بدور الوسيط لعقد هدنة بين المنظمات الفلسطينية واسرائيل.

-5 في حالة مواصلة الانتفاضة غير المسلحة، ستزداد الضغوط على اسرائيل لوقف عملياتها وفك الحصار الخانق الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، ولن تجرؤ على حصار ياسر عرفات وعلى تدمير المساكن وجرف المزارع، والبنى التحتية، كما يحدث فعلاً، ولن تجد عذراً لاستخدام الدبابات ومروحيات الاباتشي ، ناهيك عن طائرات أف 16 .

-6 ولعل الأهم من كل ذلك ان القضية الفلسطينية ستربح الرأي العام العالمي الرسمي، ولاسيما الاوروبي، بما فيه الروسي والفرنسي، ولن تجسر الولايات المتحدة، على استخدام حق النقض (الفيتو)، لمنع ارسال قوة مراقبة من الأمم المتحدة لرصد الاوضاع الجارية في الاراضي المحتلة، تنفيذاً لاتفاقات جنيف في معاملة الشعوب الخاضعة للاحتلال.

-7 نعم، حققت المقاومة المسلحة والعمليات الفدائية بعض النتائج المهمة، ولكن الموازنة المتأنية بين الارباح والخسائر قد تشير الى أن الخسائر في جانب القضية الفلسطينية، اكثر بكثير منها في جانب اسرائيل. نعم، كلفت المقاومة المسلحة اسرائيل ثمناً باهظاً ولكنها كلفت الفلسطينيين وستكلفهم ثمناً أكبر بكثير.  فالبنية التحتية الفلسطينية لا يمكن ان تعوض بالسهولة نفسها التي ستتمكن فيها اسرائيل من استعادة عافيتها، لان اميركا وراء اسرائيل دائماً، والجدار العازل ما كان لاسرائيل ان تحققه، بدعم من اميركا والاتحاد الاوروبي، لولا حجة الدفاع عن مواطنيها المدنيين من هجمات المقاومة الفلسطينية. لذلك تجرأت على إهمال الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأنه، ولم يتحرك الرأي العام الدولي لردعها. فعندما نحسب الارباح والخسائر ينبغي أن نأخذ في الاعتبار الخسائر  المتحققة على الصعيد السياسي، في المقام الاول.

-8 وتضيف الاوضاع المستجدة التي حدثت في الولايات المتحدة في 11 ايلول 2001، ابعاداً جديدة، مدمرة لحركة المقاومة الفلسطينية المسلحة. وكأن هذه العملية جاءت لخدمة اسرائيل واطلاق يدها بدون اي رادع لتدمير جميع متطلبات الحياة الضرورية في الارض المحتلة، بغية تحقيق مشروعها في تصفية القضية الفلسطينية. وهناك شائعات تقول إن لاسرائيل دوراً في تنفيذها.

-9 فمن الملاحظ ان الاوضاع الدولية تختلف اليوم تماماً عما كانت عليه قبل الحادي عشر من ايلول 2001، الى الحد الذي اصبح من المألوف أن تتكرر عبارة العالم قبل 11 ايلول او بعده . لذلك يجب أخذ هذا المتغير المهم في الاعتبار قبل فوات الاوان. فلعلنا نرصد بدقة التغيرات التي طرأت على موازين القوى، من جهة، والنظرة الى عمليات المقاومة باعتبارها عمليات ارهابية لا من جانب اميركا فحسب بل من جانب الاتحاد الاوروبي الذي كان يعارض موقف اميركا من القضية الفلسطينية، بينما قام اخيراً باعتبار منظمات المقاومة الفلسطينية المسلحة، منظمات ارهابية.

-10 واخيراً، فقد نجح شارون، من خلال تحول الانتفاضة مقاومة مسلحة، في التخلص من اتفاقات اوسلو التي يعتبرها كارثة لاسرائيل، على الرغم من أنها لا تقدم للفلسطينيين الا اقل من الفتات. بالاضافة الى نجاحه في إجهاض خريطة الطريق .

-11 نحن غالباً ما ننسى او نتناسى بعض القواعد الفقهية التي تقول إن للضرورات احكاماً ، وان الضرورات تبيح المحظورات ، فضلاً  عن المثل المعروف بأن لكل مقام مقالاً . إن وقف العمليات الاستشهادية والمقاومة المسلحة لا يعني وقف الانتفاضة، بل تحولها حركة شعبية سلمية لا يمكن أن تتهم بالارهاب. لقد ارتكب العرب اخطاء فاحشة ابتداء من منتصف القرن الماضي، وفقدوا فرصاً كبيرة منذ قرار التقسيم، وتورطوا في حروب فاشلة، بسبب جهلهم الشنيع بقواعد اللعبة، وعدم تقديرهم الموقف الدولي، بين امور اخرى. وكل ذلك كان ولا يزال يرتبط بتخلفهم الحضاري، كما يقول المفكر قسطنطين زريق. فنأمل أن لا يحالفهم الفشل هذه المرة في انقاذ ما يمكن انقاذه، فالعاقل لا يلدغ من جحر مرتين. ونأمل أن لا يتحقق ما يخشاه صديقي البقال الفيلسوف. وارجو ان لا ينطبق عليهم المثل القائل: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه ، او قول الشاعر: لا يدرك الاعداء من جاهل ما يدرك الجاهل من نفسه.

 

علاء الدين الاعرجي، مفكر عربي مقيم في نيويورك

هذا المقال نشر لأول مرة في خضم الانتفاضة الثانية، 16-10-2004

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)