ماجدة الغضبان - عن زامل والنوّاب وشط البدعة ‏وآخرين*‏

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

‏"ولك يا ريل لا تكعر.. خذت ولفي وأريدنه"...‏

 

كنا قصار القامة، ونخلات حمود الثلاث بثمرها المغري تنتصب كأكبر ‏تحدي لنا في هجيرة آب..‏

ـ تخيل لو اننا يومها حصلنا على ذلك الزجاج الكروي الملون الذي كان في ‏حوزة إبن دويج، ما كان يسميه بالدُعبُل، هل ستكون ذكريات طفولتنا كما ‏هي الآن كالحة ودون ألوان؟

هكذا بدأت ضحكتي الطويلة يا حمد..‏

مزيج خزفي من شوق يعوم على دهلة** تساؤلات، دونته في رسائل ‏ألكترونية لرفيقتنا الثالثة حول ذكريات الطين، والفيء، ودمع التبرزل الذي ‏نلعقه عسلا في أحلامنا.. مع وخزة شوك دامية تذكرنا دوما انه ما كان سوى ‏دمع في مخيلة زامل..‏

***

خلف جنازته مشينا جميعا صامتين، ونحن نرقب بعثرة سيول الدمع لقصائد ‏ديوان (المكير) بين شط البدعة، وبغداد، والزقورة، وظل شاب أحمق نسي ‏أن ينام على "خوانيك الريل وهو يكعر" رفقا بسمرائه..‏

ببساطة لم يطالبه بالصمت كي تواصل إغفاءتها.. لم يدرك أيضا لحماقته انه ‏يمعن في التمثيل بجثة زامل الممزقة في حادث سيارة مفتعل..‏

ولأنها حلمت بأعذاق لا تطولها أيدي الصغار فقد ردت بحماس على ‏أهزوجتك الجنسية:‏

‏ـ غفوت بك، ولأجلك، ومنك، وحولك..، ثم استدركت خجلا ونظرات ‏الجميع تستنكر شبقها:‏

ـ وكأنني بها بقيت "عثوكه ما تنلاح"..‏

أأنا بحاجة يا حمد لإستئذانك كي أشارك زامل دموعه؟

رائحة الهيل تعطر المكان، وصوت الهاون يطغي على صوت قطار يقف ‏بين طيفي وطيفك كالحية الرقطاء، ومظفر الوحيد مع قلمه ودفتره الذي ‏كان يعلم انني مررت بك..‏

ـ تسألني لماذا يا حمد؟، لأنه ببساطة كان يجلس جواري في القطار القديم، ‏والكحلة الرخيصة التي اشتريتها من سوق الجملة في الشورجة كانت تسيل ‏بهدوء على البودرة القبيحة، وأحمر الشفاه العاهر الذي أخفيت وجهي خلفه..‏

أتمنى لو انني الآن ألج معك العالم الملون ذاك في دعبلة واحدة من دعابل ‏ابن دويج..، هل كنا سنخرج لنرى ما حل بالنوّاب بعدها في سورية؟..‏

لعلك تجد في ذلك جريمة، وانت تقترب من قدسية منصة البيت الأبيض، ‏أدام الله ظله، وقدس سره.. هناك حيث يصنع قرار الكلمة التي ستعلن قبل ‏نطقها بسنين؟..‏

حسنا، كلانا سمع تلك المعلومة من خالي المغيب، وشقيقك الشهيد..‏

الدخول في كروية الزجاج وسحره من العبث غير المستحب في مضيفك ‏المتنحي جدا عن "الريل"، وحكايات مظفر العدمية التي لم تقتحمها دراسة ‏جدوى أبدا..‏

أشهد يا حمد ان ثرثرتي تلك خارج كل مقاييس العلماء، وقراءات ‏الحضارات، خارج الخطط، والمخططات، وتخطيطات العري بقلم ‏الرصاص..‏

وحتى هذه اللحظة مازال رأسك في حجري، وأنا أغني لك:‏

‏" آنه ارد الوكـَ لحمد \ ما الوكـَ انا لغيره"‏

عشقنا الأغنية معا، وهي تذاع من مذياع كبير في صريفة ناهي، وبقيت ‏تدور في رأسينا كدولاب العيد على أرضية تلمع، نكاد أن نرى فيها وجهينا ‏في قصور الرئيس، وقرب حنو دجلة على الجثامين الطافية، وعلى صفحة ‏السين الحالمة، ووحشة التايمز، وضياع المسيسيبي حيث إرتحلت قوافي ‏المراهقة، وألواننا الخشبية العابقة بروائح المدرسة المتوغلة في الريف، ‏وطين الشتاء الزلق..‏

وربما لو حاولنا إعانة بعضنا البعض على تسلق نخلات حمود قرب أرض ‏أبي المحتشدة بالطماطة والبطيخ لحظينا ببعض حلم زامل الدبق..‏

‏ـ أرأيت كم هي دبقة أحلامنا؟، دبق الشهوة؟، دبق التبرزل؟.. جميعه دبق.. ‏له أجنحة التحليق بعيدا عن مرارة الحنظل في كل ما أعقبه..‏

بضع حبات من التبرزل كانت ستجعلني أغض الطرف عما قاله النوّاب فيك:‏

‏"يا ريل طلعوا دغش والعشكـ جذابي"‏

كانت ستجعلني أصنع من الحنظل غابات تبرزل..‏

أين كنت ستدور بي بعدها؟..، أليس بعد دوران الأرض وثبوتنا من ‏زيف؟

يصعب علي الخروج من المضيف، من رائحة "الهيل"، من "السنابل"، ‏من "القطا"..، من "الخزامات"..، من "زغرنا ولعبة الطفيرة"..‏

بالأمس طاف بي زامل حتى وقف عند شط البدعة، كان مخمورا، وراعه ‏أن يرى صورة منارة تنتصب كذكر مستبد في عذوبة الماء..‏

ـ إنتحى بي جانبا يا حمد..، وقال لي سره الأخير، قبل رحيله الأخير:‏

‏"يا الشاتل العودين خضر فرد عود"..‏

كأنني صحوت على كابوس القطار، وهو يمضي بعيدا عن الناصرية، ‏ويقترب من البصرة، محطة بعد أخرى، زاعقا دون رحمة بالسمراء من ‏جديد..‏

لا أظنك ستلحق بلهاث الصور، وأنا أقف عند النخلات الثلاث..‏

اكتشفت أن علي أن أعود للناصرية، لا سواها، وألف عبرة تخنقني، أنظر ‏الى النهر فاذكر وقوفي معك، وأسمع صوت زامل يصبرني، وأرد بسيل ‏من تبرزل نخلات حمود المزروعة في رحمي:‏

‏"المفطوم شيصبره؟"‏

سيكون ذلك عسير الفهم أمام الإحصائيات التي تقول ان معظم الرضع ‏يستسيغون الحليب الصناعي أكثر من حليب الأم..‏

آه.. يا حمد..‏

سأعترف دون تزويق، لا رفيقتنا الثالثة ردت على رسائلي، ولا شط ‏البدعة إحتفظ بوجه زامل.. أما مظفر فقد زار الوطن، وهو يعاني من داء ‏الرعاش.. وحين علم انك دفعتني دفعا الى رصيف العهر.. عاد نادما، فقد ‏بدت بغداد مطحونة ككرات من زجاج ملون، لا يمكن ملامسة أرضها دون ‏العودة بعدد هائل من شظايا الدعبل..‏

دعبل ابن دويج..‏

هل تعرف كم تؤلمني شظايا الدعبل؟، كم يؤلمني حجم ابن دويج وتمثاله ‏وسط بغداد؟..‏

أم انك أغلقت الصفحة الألكترونية الآن منزعجا، كما اغلقت دفتي الذاكرة ‏على صورة زامل بدم بارد؟

عاتبني النواب بشدة عند الغراف، مزق آخر ما بقي لي منك..‏

كان ردي بسيطا.. بساطة من يقيمون مع النخيل على الضفاف.. سيل من ‏دموع زامل مع بيت من شعر مظفر:‏

‏" ولا تمشي مشية هجر\ قلبي بعد ما مات"‏

بعد دهر، يا حمد، وجدت اننا مازلنا قصار القامة، ونخلات حمود بتبرزلها ‏تنتصب كأكبر تحدي لنا في هجيرة آب..، أنت في مضيفك الذي يأنف من ‏صوت ريل قديم، ولعبة سمجة كلعبة الدعبل، وأنا في دوامة المحطات من ‏المكير واليه برفقة لون الاسفلت البغيض..‏

 

د. ماجدة الغضبان، أديبة عراقية

‏*يفترض ان أضع الكثير من الهوامش لأشرح كل ما هو عصي على ‏الفهم بسبب إختلاف اللهجات بالنسبة للقراء الكرام من غير العراقيين، ‏لكني توقفت حين وجدت الهوامش أكبر من النص نفسه.‏

أكتفي هنا بنصيحة واحدة، النص يعتمد على ما جاء في ديوان ‏‏(المكير) للشاعر الراحل زامل سعيد فتاح، وبالذات قصيدة (فرد عود) ‏و قصيدة (المكير) منه، وما جاء في قصيدة (الريل وحمد) للشاعر ‏مظفر النواب، وبالإمكان العثور على كليهما، اعني الديوان والقصيدة ‏على غوغل، وكل ما هو محصور بين قوسين صغيرين أبيات شعر ‏أو كلمات مقتبسة منهما.‏

 

‏** الدهلة باللهجة العراقية هي الماء المخلوط مع طينه

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.