علي الصراف -نهاية الديمقراطية (3)

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

الديمقراطيةُ نظامٌ فاسد. ولا أعرف لماذا ما يزال يُنظر إليها كضرورة مقدسة.

 الدلائل على فساد الديمقراطية أكثر من كثيرة. وهي معروفة أيضا، الأمر الذي يجعل من المطالبة بها نوعا من العمى المتعمد، أو الغباء المتعمد، أو على الأقل، تعبيرا عن الجهل بطبيعتها.

الكل يعرف أن الديمقراطية في معظم دول الغرب، ليست سوى صوت لمجموعات الضغط وممثلي الشركات وأصحاب المصالح الكبرى. هؤلاء هم الناخبون الحقيقيون. أما جمهور "الناخبين" من الناس فليسوا سوى كتلة فارغة من كل معنى، لا قيمة حقيقية لها.

نعم، يمكن أن يختار الناخبون حزبا دون آخر أو رئيسا دون آخر، من دون ضغوط مكشوفة، ولا إرهاب، ولكن مجموعات المصالح هي التي سوف تقرر المسار الذين يتعين الأخذ به في النهاية.

الحكومات الغربية تحولت، منذ أمد بعيد، الى حكومات – خدمات، أقرب ما تكون الى "بلديات" ترعى شؤون الصحة والإسكان والتعليم والتشغيل والأمن الداخلي والنظافة، وغير ذلك من التفاصيل الثانوية، أما السياسات الخارجية والاقتصادية والدفاعية الكبرى، فإنما تتقرر بحسب ما تمليه مصالح مجموعات الضغط واللوبيات والشركات.

والرؤساء أو رؤساء الوزراء، قد لا يحصلون على رشاوي مباشرة لقاء خدماتهم لتلك المجموعات، خلال قيامهم بمهام مناصبهم، إلا أنهم سرعان ما يتحولون الى أثرياء بعد خروجهم من تلك المناصب.

توني بلير لم تظهر عليه أي علامة من علامات الفساد عندما كان في السلطة، ولكنه تحول الى واحد من أكبر الأثرياء بعد خروجه منها. كيف؟ لان مجموعات المصالح قدمت له، بذرائع مختلفة، سلسلة من الوظائف الوهمية لمكافأته على خدماته. رشوة مؤجلة فحسب.

الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، خرج من السلطة مدينا، ولكن سرعان ما أنشأ "مؤسسة" يقال إنها "خيرية" لتلقي الأموال مقابل ما قدم من امتيازات، أو مقابل ما اختاره من سياسات خلال عهده بالسلطة.

واكذوبة "تقديم المحاضرات" مقابل الملايين، قصة معروفة كغطاء لتقديم رشاوي، لتبدو وكأنها مكافأة قانونية.

والحال يشمل ليس المسؤولين الكبار وحدهم ولكنه يمتد الى تابعيهم والأصغر منهم، الذين غالبا ما يتحولون الى وكلاء ضمنيين لأصحاب المصالح، مقابل المال (سواء كان عاجلا أو آجلا).

هل لنظام الفساد والرشوة هذا أي صلة بقيم وأخلاقيات الديمقراطية؟

الجواب، نعم. إنه جزء أصيل من طبيعة الديمقراطية نفسها؛ جزء أصيل من نظامها بالذات. ذلك أن القيم والأخلاقيات الديمقراطية مجرد وهم للتنظير الفارغ. بينما الواقع هو الواقع دائما. ومثلما أن النفاق جزء من طبيعة السياسات الغربية، فان هذا النفاق نفسه يمتد ليشمل وصف الديمقراطية بشيء، بينما نظامها يفعل شيئا آخر.

هذا في دول الغرب الكبرى. فماذا عن دول التخلف؟

طغاة من قبيل بشار الأسد وروبرت موغابي يستطيعون دائما الفوز في أي انتخابات. يجب ألا يكون لديك شك في ذلك. ليس لأنهم يوظفون كل أجهزة الدولة، وكل أموالها، وأجهزة إعلامها، لكي تقرر الانتخابات الرئاسية او البرلمانية من هو الفائز سلفا، بل لأنهم يجندون كل أجهزة القمع والترويع لكي تلقن الذين يسعون الى تحدي هذه النتيجة المسبقة.

وكان من محاسن النكات، أن قام مرشح معارض، في آخر انتخابات للرئاسة في سوريا، بالتصويت ليس لنفسه، وإنما للرئيس الباقي الى الأبد.

هذا الخروف، أراد فقط أن يثبت لأجهزة الرئيس أنه خروف على باب الله، إن لم يكن من أجل "الكلأ"، فمن أجل السلامة على الأقل.

ولكن ماذا بشأن الأحزاب؟

إذا كان لديك "نظام قوي"، فان الأحزاب فيه غالبا ما تكون أحزابا تابعة، وقادتها مجرد خرفان. لتكون بذلك أحزابا مأجورة للنظام. تقول قوله، وتتبع خطواته، وتدين له بالولاء، إن لم يكن من أجل ينعم عليها بالعطايا، فعلى الأقل من أجل أن ينعم عليها بالبقاء.

ولو كان النظام ضعيفا، فإنها غالبا ما تكون مأجورة للخارج. أي للدول الخارجية ذات المصالح.

ومَنْ لم يكن "مأجورا" للداخل أو الخارج، فانه يظل ضعيفا، وعاجزا عن التأثير لأنه لن يمتلك الإمكانيات للوصول الى الناخبين. وحتى لو تمكن من الوصول إليهم والفوز في أي انتخابات، فان ضغوط الخارج وإملاءاته سوف تحوّله الى طرف مأجور أيضا لخدمة أصحاب المصالح الخارجيين.

وعندما يذهب الناخبون الى التصويت، فمن أجل أن يصوتوا على ماذا؟

انظر في تجارب الديمقراطيات الناشئة، وستتعرف على مهازل لها أول وليس لها آخر. فمن الشعارات الفارغة، الى الوعود الوهمية، الى الأيديولوجيات البعيدة عن الواقع، الى توظيف الدين لاستقطاب الناخبين، فإنك لن تحصل إلا على مجموعة من الأفّاقين الذين لا يعرضون برامج ذات طبيعة عملية، والعاجزين عن تحقيق أي تغيير فعلي نحو الأفضل. وعدا عن الفساد الذي يتضاعف، فان الاستناد الى شعارات كاذبة أو أيديولوجيات تشطح في الهراء، أو الى الدين نفسه، قد يستهدف ناخبين يغلب عليهم الجهل والأمية، إلا أنه يستهدف بالدرجة الأولى التسلط على الآخرين وكم الأفواه.

السؤال الآن: إذا كان الحال، على هذه الحال، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ ولماذا تتحول الديمقراطية الى أيقونة مقدسة في كل حديث؟ بل لماذا يتعين أن نتطلع اليها كهدف؟

أهو عمى عن رؤية الأشياء على حقيقتها؟ أم أنه غباء؟ أم أنه تعبير عن ضياع حيث لا تعرف النخبة ماذا تقترح من بدائل؟

"الدول الديمقراطية"، لم تكن "ديمقراطية" أبدا معنا. لا مع حقوقنا، ولا مع مصالحنا.

لماذا؟

هذا سؤال أكبر من أن يُترك بلا جواب.

والجواب هو أن ديمقراطية النفاق، ليست سوى نفاق.

قد تبدو "الديمقراطيات" وكأنها تقدم "خدمة" لشعوبها (وهذا وهم أصلا)، إلا أنها عندما تضطهد شعوبا أخرى، وعندما تغمط حقوقها، وعندما تحرمها من حق العيش الكريم، وعندما تملي عليها سياسات وتفرض عليها ضغوطا تجارية غير منصفة، فهل يمثل كل هذا انعكاسا لقيم الديمقراطية أم أنه انعكاس لطبيعتها كمجرد نفاق.

والشعوب التي تضطهد شعوبا أخرى، أتراها حرة حقا؟ أتراها تنعم بالديمقراطية حقا؟ أم أنها مأجورة للمصالح ذاتها التي تبرر الحروب والغزوات ضد الشعوب الأخرى؟

هل يجوز للديمقراطية أن تكون خيرا لشعب ما، وشرّا على غيره؟

أم أنها مجرد كذبة تكذبها مجموعات المصالح لتوفر لنفسها غطاء للجرائم التي تمارسها داخل بلدانها وخارجها في آن معا؟

فبالله، لماذا يجب أن تكون الديمقراطية أيقونة نقدسها؟ ومن أجل ماذا ندعو اليها الناس؟

أفهل نخدع أنفسنا بها، أم نخدع بها الناس؟

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.