علي الصراف - نهاية الديمقراطية (2)

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

الرعاع من العنصريين هم الذين انتخبوا دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة. ولكن الواقع هو أن الرعاع من كل لون هم الذين انتخبوا كل رئيس آخر.

 الحقيقة هي أن الديمقراطية، كما انتهت الينا، ليست سوى ديمقراطية رعاع أصلا، تدفعهم غرائز مختلفة، وتجعلهم يتجاهلون كل ما يتعلق بهذه الديمقراطية من قيم وأفكار وعقل.

وبما أن الغرائز هي التي تتحكم في عمليات التصويت، فان حسابات العقل هي الضحية الأولى دائما.

إنها ديمقراطية رعاع، لأنها لم تعد ديمقراطية عقل أو تفكير. ولا أدري متى كانت آخر انتخابات سيطرت عليها حسابات العقلانية.

الذين انتخبوا هتلر كانوا ديمقراطيين من دون أدنى شك. والذين انتخبوا كل طاغية آخر هم ديمقراطيون أيضا. يذهبون الى صناديق الاقتراع بأمن وسلام، لكي يمنحوا أصواتهم الى المرشح الذي يستطيع أن يحرك غرائزهم.

هذا يحصل في كل مكان.

إنه الهوية الرئيسية لكل هذه اللعبة.

وسواء كان الأمر يتعلق بوعود غير واقعية، أم بإثارة المخاوف، أم بالاستعداد لمواجهة مخاطر وهمية، فان الفوز في الانتخابات يتصل، تحديدا وحصرا، ليس بما إذا كنت قادرا على دفع ناخبيك الى التفكير، وإنما بما إذا كنت قادرا على تحريك غرائزهم.

والغرائز تتحرك بأشكال مختلفة. ويعود فوز ترامب الى أنه نجح في تحريكها كلها دفعة واحدة، بعفوية منقطعة النظير، الأمر الذي وفر له فرصة لفوز غير متوقع تماما. فمن إثارة الخوف من المهاجرين الى المكسيكيين الى المسلمين، الى الخوف من هجرة المصانع، الى التحرش الجنسي، الى كل وجه آخر من أعمال تحريك الغرائز، أصبح من الممكن للأشقر الأبيض أن يصوت له خوفا، بينما أمكن لكل امرأة شهوانية أن تنظر اليه كبطل من أبطال الجنس.

انقلبت الفضيحة الى مكسب.

ولئن حاولت هيلاري كلينتون أن تستعرض بعض حسابات عاقلة، فانها هي نفسها سعت الى تحريك ما أمكنها من غرائز. ولكنها ركزت على الخوف من ترامب نفسه، فضلا عن تجنيدها لعشرات الفنانين من أجل دعم حملتها بمهرجانات الغناء، لإثارة نمط آخر من غرائز البهجة، بدلا من غرائز الذعر التي وظفها ترامب لصالحه.

انتخاب رئيس وزراء شاب مثل توني بلير في التسعينات، كان يتعلق بدرجة كبيرة بـ"صورته" وبقدرته على إثارة الغرائز، وليس بما إذا كان صادقا أم منافقا.

واليوم فان حظوظ جيرمي كوربن، خليفته في قيادة حزب العمال البريطاني، لتولي السلطة تقترب من الصفر، لأن "صورته" وحظوظه من "الإثارة" تقترب من الصفر.

 وديمقراطية الغرائز هي القوة غير المنظورة من جانب مؤسسات استطلاع الرأي. ولهذا فإنها تفشل في قراءة ما يمكن أن يحصل.

نصف نساء الولايات المتحدة، صوتن لصالح التحرش الجنسي، أو في الأقل، لم يعتبرنه إهانة. وهذا أمر لا يمكن التصريح به لأولئك الذين يجرون اتصالات مسبقة بالناخبين لاستطلاع آرائهم.

ما هو الشيء الذي جعل حملة "بريكست" تفوز في بريطانيا؟

الحساب العاقل للفوائد والمضار كان آخر قضية في أذهان الناخبين البريطانيين الذين تحركت غرائزهم، بالدرجة الأولى، ضد كثافة المهاجرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي.

الخوف كان هو الفائز. الأنانية الاقتصادية، وليس المعادلات، كانت هي العامل الذي حرك غالبية الناخبين البريطانيين ليخرجوا ببلادهم من الاتحاد الأوروبي.

وبما أن الحساب العاقل كان آخر ما يهم في ديمقراطية الغرائز هذه، فالنكتة هي أن العقل لم يعد بوسعه أن يستدرك الضرر ولا أن يجد مخرجا من الورطة.

بريطانيا تريد أن تستفيد من العلاقة مع السوق الأوروبية، ولكنها لا تريد أن تلتزم بالقواعد. قال الأوروبيون إن المساس بـ"الحريات الأربع" (أي حرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص) سوف يهدد وجود السوق ككل. وبالتالي فلا مفر في النهاية من القبول بها إذا ما رغبت أي دولة بأن تستفيد من التجارة داخل الاتحاد الأوروبي. بمعنى آخر، يمكن لبريطانيا أن تخرج من الاتحاد، إلا أنه سيظل من الواجب أن تقبل بحرية انتقال الأشخاص.

ماذا جنينا إذن؟

لا شيء، حقا. مجرد ضرر أطاح بقيمة العملة، وسبب اضطرابا لا مبرر له في الأسواق وما يزال يهدد النمو المتعثر في كل بلدان العالم.

بعد تحريك كل تلك الغرائز، ماذا يريد ترامب أن يفعل؟

إنه يريد خفض الضرائب (عن نفسه بالدرجة الأولى). وفي بلد تبلغ مديونيته 20 تريليون دولار، فانه يزعم بانه يريد أن يعيد بناء المدارس والطرق والجسور... الخ، ولكن من دون أن يسأل من أين سيأتي بالمال، أو ما هو حجم الدين الإضافي الذي سيتراكم على ظهر كل امريكي من بعد ذلك، أو ما إذا كان الاقتصاد قادرا أصلا على تحمل عبء ديون تفوق الناتج الإجمالي للولايات المتحدة. وهو يريد أن "تعود المصانع" من الصين الى الولايات المتحدة. ولكن من دون أن يحسب الحساب لكلفة الإنتاج التي هربت المصانع من أجل خفضها للحفاظ على المستوى العالي الراهن من الأرباح.

لقد تم النظر اليه كرجل أعمال ناجح. ولكنها أعمال عقارات. وهذه تجارة لا تتطلب عبقرية للنجاح فيها. (اقترض، وادفع فوائد أقل من معدل ارتفاع أسعار العقار، فضلا عن عائد تشغيل العقار نفسه) هذا هو كل "العبقرية" الغبية التي ينطلق منها ترامب. وهي لا تشبه على الإطلاق عبقرية التطوير والإنتاج والمعرفة التي لا يقف اقتصاد على قدميه من دونها.

لقد كان ترامب ناجحا باستمرار، إنما في نمط من الأعمال التي تتيح له أن يتفرغ لغرائزه. ولسوف يشبع الناخبون والناخبات من تلك الغرائز. والعالم كله سوف يحصد النتائج، فضلا عن الأمريكيين أنفسهم.

دائما ما كنت أسال نفسي، هنا في عالمنا العربي، هل كان من المعقول على الإطلاق أن يكون هناك شعب يمتلك كل إرث طه حسين وعلي عبد الرازق وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ونجيب محفوظ ويحيى حقي ومصطفى محمود وحافظ إبراهيم وغيرهم، أن ينتخب، في فضيحة من فضائح الزمان، تنظيم الإخوان المسلمين ويسلمه السلطة في مصر؟ شعب يمتلك وطنية كوطنية جمال عبد الناصر، خاض بها معارك بطولية تاريخية، من تأميم قناة السويس الى بناء السد العالي الى مواجهة العدوان الثلاثي الى غيرها، ثم يجد نفسه ينتخب حركة لا علاقة لها بالوطنية أصلا، ويقول مرشدها بملء فمه: طظ في مصر؟

هل كان ذلك "معقولا"؟

لقد جاء الاخوان المسلمون الى السلطة في مصر، ليس لأنهم قدموا برنامجا اقتصاديا ناجحا، ولكن لأنهم عرضوا على ناخبيهم الجنة (في الآخرة)، والنار لمن يصوّت لغيرهم. ولأنهم جعلوا من الخوف (من الله طبعا) عنصرا رئيسيا في حملتهم. ففازوا، ولسوف يفوزون مرة أخرى لو عادوا غدا.

لماذا؟ لأن الرعاع هم الأغلبية الغالبة أصلا. وهؤلاء لا يتحركون بالعقل، وإنما بالغرائز.

وما من أمل لتغيير الاتجاه. فالديمقراطية كلها كانت، وستبقى، ديمقراطية خوف ورغبات وهيجان وأعمال إثارة للغرائز.

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.