علي الصراف - نهاية الديمقراطية

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

بالرغم من الفضائح الشخصية، بالرغم من الفشل في كسب المناظرات الرئاسية الثلاث، بالرغم من كل المخاوف في الولايات المتحدة والعالم، بالرغم من الجهل السياسي، بالرغم من كل ما قالته الأسواق العالمية، بالرغم من طبيعته الفظة ولغته غير الدبلوماسية، بالرغم من عدم تقديمه برنامج اقتصادي واضح، بالرغم من صحيات ونداءات عدد هائل من الشخصيات النافذة في الاقتصاد والسياسة والفن، فقد فاز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، ليعلن في الواقع انتصار الفظاظة وسقوط التهذيب؛ انتصار الهامشية وسقوط "المؤسسة"، انتصار الشعبوية وسقوط الديمقراطية.

 نحن نقف الآن على حافة عالم مجنون، يمكن أن يحصل فيه كل شيء وأي شيء.

فوز ترامب يعني بالدرجة الأولى سقوط الضوابط، وسقوط المعايير التي كانت تحد من الانزلاق نحو الهاوية. هذا الفوز يعني سقوط ضبط النفس أيضا، ليضعنا أمام عالم منفلت. شرس. يقدم فيه كل أحد مصالحه الخاصة على حساب أي أحد. كما أنه قد يعني كل شيء. من تفشي الأسلحة النووية، الى استخدامها فعلا. إنه يعني انهيار العلاقات الدولية كما عرفناها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

نحن أمام عالم أقرب ما يكون الى عالم ما بعد حرب عالمية ثالثة. عالم يمكنه أن يقلب كل شيء، ويعيد النظر في كل شيء، إنما على أساس تلك الشعبوية التي كانت قد ارست القاعدة لصعود التطرف وتاليا النازية.

نحن في عالم أقرب ما يكون الى عالم ثلاثينات القرن الماضي. وللتطرف امتدادات في مكان. فرنسا على أبواب انتخابات رئاسية. والفائز الأقرب الى الواقعية اليوم هو ماري لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية الذي يوصم بالعنصرية والنازية. ولا أحد يمكنه أن يتصدى لليمين في بريطانيا، التي قدمت عبر "بريكست" أول الأدلة على انهيار العقلانية الاقتصادية والسياسية معا. وعلى غرار الفوضى التي أدت الى انهيار قيمة الجنيه الإسترليني، والعجز الواقعي عن تلبية طموحات التطرف، إلا بالمزيد من التطرف، فان العقلانية لم تعد ذات قيمة.

واليمين المتطرف يتقدم بثبات في كل أوروبا. وحدها ألمانيا لا تريد أن تجد نفسها هناك. ولكن فقط، بسبب خوفها من ماضيها.

نحن أمام عالم يبحث عن حلول مجنونة لأزماته. عالم لا يأبه أحدٌ فيه بغير مصالحه الخاصة ولو على حساب دمار العالم كله. لهذا السبب، يعتبر ترامب أن التغير المناخي الذي يهدد الكرة الأرضية مجرد كذبة.

إذن، أطلق ما تشاء من الغازات السامة، طالما يحقق لك ربحا. ودع المتصارعين يستخدمون قنابل نووية.

سوف نقف أمام انهيار اقتصادي عالمي. أمام تسونامي يلتهم كل الجهود التي بذلت من أجل الخروج من أزمة عام 2008 التي كادت أن تطيح بالنظام المصرفي العالمي كله.

ينتظر ترامب انهيار الأسواق أصلا. لأن ذلك سوف يتيح له أن "يشتري المزيد من العقارات" كما قال. إنه ينتظر خراب بيوت الآخرين لكي يجعل من أبراجه الخاصة أعلى ارتفاعا.

هذه هي الرأسمالية، في أقصى وحشيتها. إنه الدرك "الأعلى" في التطرف الذي يكشف عن مدى قربها من الدرك الأسفل.

والأكثر فقرا، يضعون أملهم في الأكثر غنى. وكأنه سوف يعطيهم من ماله، لا أن يأخذ منهم المزيد.

هذه ليست مفارقة. إنها جنون مطلق. إنها تجاوز عنيف للمنطق، ولكل دليل ولكل معرفة.

في الواقع، لم يعد للعقلانية معنى.

لم تكن هيلاري كلينتون رمزا للعقلانية طبعا. ولكنها كانت تمثل نوعا من "الاستمرارية" في عالمنا الراهن.

جانب كبير من هذا العالم كان عالم فشل ونفاق وتسويات هشة. ولكنه كان نوعا من "حل وسط" في البحث عن وضع قابل للاستمرار.

وبالهزيمة، فقد سقطت تلك الاستمرارية.

التطرف هو الابن الشرعي الوحيد للهامشية والانعزالية ومشاعر اليأس.

والتطرفُ صريحٌ جدا، قبيحٌ في صراحته جدا، لأنه ليس بحاجة الى "تدوير الزوايا". ولكن صراحته ليست بالضرورة تعبيرا عن الصدق. إنها تعبيرٌ عن الوهم بإمكانية الفوز من دون تسوية. تعبيرٌ عن الرغبة بالفوز بالسطو. بالقوة.

والهامشية نقيض تام للديمقراطية. وها هي تصبح قوة غالبة. واغلبية غالبة.

الطبقة الوسطى التي طبعت الديمقراطية بميسمها، كنوع من تجسير الهوة بين أسفل المجتمع وأعلاه، لم تسقط من مكانتها الاقتصادية بعد. إلا أنها سقطت سياسيا، تاركة الباب مفتوحا للهامشية لتغزو عالمها المخملي، وتدمره.

إذا كان احترام الأقلية (التي لم تصوت لصالحك) هو أفضل ما في الديمقراطية، وإذا كان المعنى منها هو الاصغاء لصوت تلك الأقلية لدى صنع القرار، فان للهامشية اخلاقاً مختلفة. إنها طغيانٌ يفرض نفسه بقوة التصويت لليأس.

والطغيانُ سقوطٌ مكشوفٌ للديمقراطية.

لم تعد هناك حاجة الى لعبة "تجسير الهوة". الهامشيون عبروا الجسر أصلا الى ضفة السلطة، ليفرضوا ما يريدون بالتهديد والابتزاز والقوة.

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.