عمر نجيب - تفجيرات السعودية وتركيا والعراق، محاولة للفهم

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

تنظيم داعش خطط ونفذ الهجمات الإرهابية التي ضربت في فترات زمنية شبه متلاصقة السعودية، فقد وقعت 3 تفجيرات “انتحارية” في ثلاث مدن سعودية، على مدار يوم الإثنين 4 يوليو، أحدها في جدة وأسفر عن مقتل “الانتحاري”، والثاني في المدينة المنورة وأسفر عن مقتل “الانتحاري” منفذ الهجوم و4 من رجال الأمن، والثالث قرب مسجد في القطيف شرق المملكة، ونتج عنه سقوط 3 قتلى، بحسب بيان للداخلية.

وقبلها ضرب تنظيم داعش منطقة الكرادة التجارية في بغداد يوم الأحد 3 يوليو مما خلف أكثر من 312 قتيل، ومطار أتاتورك التركي يوم 28 يونيو مخلفا 43 قتيلا وجرح 237 آخرين.

  عدد من المحللين قدموا مجموعة كبيرة من المعطيات عن هذه العمليات الدموية وكذلك أهدافها والرسائل التي أراد منفذوها بعثها، ولكن المشكلة التي تواجه استقراء الحقائق كاملة كانت في الجمع بينها والسعي لإيجاد رابط وتحديد الجهات المستفيدة من العمليات الإرهابية.

  قبل الخوض في البحث عن روابط وعلاقات داعش خاصة مع أجهزة إستخبارات كبرى يجب العمل على فهم الدوافع التي تقف وراء تحركات التنظيم الأخيرة وخاصة في ثلاث دول كانت حتى وقت قريب بعيدة عن الإستهداف.

تخريب العلاقات

 يوم 1 يوليو 2016 وبعد هجوم يوم 28 يونيو بتركيا صرح ”طلعت أنوروفيتش تشاتين” نائب رئيس قسم العلاقات الاقتصادية الخارجية في أكاديمية الأمن القومي الروسية، إن الاعتداء الإرهابي على مطار “أتاتورك”، يرتبط مباشرة بالاتفاق التركي الروسي الذي توصل إليه الجانبان لتطبيع العلاقات.

وأضاف تشاتين خلال مقابلة أجرتها معه الأناضول، أن الاعتداء “لم يستهدف مطار أتاتورك وإسطنبول فحسب بل استهدف العلاقات الروسية التركية. لذا ينبغي البحث عن الجناة ضمن الجهات المستاءة من تلك العلاقات”.

ولفت الخبير أنه أنفقت مبالغ كبيرة من أجل ترتيب الاعتداء، وأن سيناريو الهجوم كان مخططا له وجاهزا، وما جرى هو الضغط على زر تفعيله، قائلا “جرى تحضير السيناريو في مكان ما، وضغط أحدهم على الزر لإفشال تحسين العلاقات التركية الروسية”.

وشدد تشاتين، أن الاعتداء الذي استهدف العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، أثر بشكل إيجابي على التعاون السياسي، موضحا “إن معظم المسائل التي تمحورت عليها العلاقات التركية الروسية قبيل الحادث كانت اقتصادية، إلا أن الاعتداء مهد الطريق للبحث بشكل كبير عن العلاقات السياسية بينهما، لأن الإرهاب يعد محنة مشتركة”.

وفيما يتعلق بجنسية منفذي الاعتداء على مطار “اتاتورك”، قال: إن “هويات الإرهابيين مهمة للغاية ولها دلالات. إن كون المنفذين من روسيا والاتحاد السوفيتي السابق مؤشر واضح على استهداف الاعتداء العلاقات التركية الروسية.

وتطرق إلى موضوع دعم روسيا لتنظيم “ب ي د” "الذراع السوري لمنظمة “بي كا كا”"، وفتحه مكتب في موسكو، مشيرا إلى أن هذه الخطوة ليست نابعة من حبها لـ “ب ي د”، بل بسبب تدهورعلاقتها مع تركيا. وكان ذلك قرارا سياسيا”.

يذكر أنه قبل الاعتداء الإرهابي بيوم، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، إن الرئيس التركي، بعث برسالة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أعرب فيها عن “حزنه العميق حيال حادثة إسقاط المقاتلة الروسية” عام 2015، مشيرا أن أردوغان قال في رسالته: “أتقاسم آلام ذوي الطيار الذي قتل في الحادثة، وأتقدم بالتعازي لهم وأقول لهم: لا تؤاخذوننا”.

تحذيرات لاقت آذانا صماء

بعد ذلك بخمسة أيام صرح دميتري بيسكوف الناطق الصحفي بإسم الرئيس الروسي بوتين يوم الأربعاء 6 يوليو: "على مدى سنوات طويلة كان الجانب الروسي يقدم عبر مختلف القنوات، بما في ذلك القنوات التابعة للاستخبارات، للشركاء الأتراك والأوروبيين، معلومات تؤكد أن أشخاصا مشتبه بهم في التورط بجرائم إرهابية وفي النية للانضمام إلى جماعات إرهابية، يحظون بالمأوى والحماية في أراضي تركيا وعدد من الدول الأوروبية".

وأضاف أن مثل هذه الإشارات التي كان الجانب الروسي يبعث بها، لم تحظ بالاهتمام اللائق من جانب الشركاء الأتراك. وأردف قائلا: "للأسف الشديد قد يكون ذلك الهجوم على مطار أتاتورك من عواقب هذا التجاهل".

وأكد بيسكوف: "تدعو روسيا بثبات إلى التعاون الأكثر كثافة في مجال محاربة الإرهاب. إننا جميعنا معرضون لهذا الخطر، ولا يقدر أي من البلدان على التصدي للإرهاب اعتمادا على قدراته فقط".

 يوم 3 يوليو كذلك كتب الصحفي والمحلل عبد الباري عطوان:

"لم يكن من قبيل الصدفة ان تتزامن عملية الهجوم الارهابي الانتحاري الذي استهدف مطار اتاتورك في اسطنبول مع التطبيع التركي الرسمي للعلاقات مع روسيا، ولم يكن من قبيل الصدفة ايضا، ان يكون المهاجمون الثلاثة من المنتمين الى دول القوقاز، ويحملون جوازات سفر روسية.

نشرح اكثر ونقول ان هذا الهجوم، يعكس امرين اساسيين: الاول ان هذه “الدولة” قررت اعلان الحرب على تركيا بسبب تقاربها من موسكو، وان السلطات التركية قررت قطع كل الصلات المباشرة، او غير المباشرة معها، والانتقال من الدعم أو الحياد الى المواجهة، وتغيير سياساتها جذريا في سوريا بما يؤدي الى تطبيع علاقاتها مع الرئيس السوري بشار الاسد وحكومته في المستقبل القريب.

مجلة “الايكونوميست” البريطانية المعروفة خصصت احدى افتتاحيات عددها الصادر يوم الجمعة 8 يوليو للحديث عن تفجيرات اسطنبول، لخصت فيها محنة تركيا الحالية من مختلف الجوانب، وكان ابرز ما فيها اسطر الختام التي تقول “سياسة الرئيس رجب طيب اردوغان الكارثية في سوريا هي التي عرضت بلاده لاخطار الارهاب وعملياته التسع التي ضربت العمق التركي في الاشهر الستة الماضية، وادت الى مقتل 250 شخصا واصابة المئات”.

حكومة يلدريم تتجه فيما يبدو، ومن خلال تصريحات رئيسها، الى تصحيح هذه السياسات، وتقليص اخطارها، اذا لم تستطع منعها، او هكذا نستنتج من تصريحاته المتكررة في هذا الصدد، وتجاه سوريا خاصة.

يسجل أنه وعندما شرع بعد الملاحظين في البحث عن الرابط بين هجوم مطار أتاتورك وتحذيرات صدرت يوم الإثنين 27 يونيو من واشنطن لرعاياها.

 سارع البيت الأبيض وعبر المتحدث بإسم الخارجية الأمريكية مارك تونر، يوم الأربعاء إلى القول: “لقد أعدنا إصدار تحذير سفر قبل أيام، لكنه لم يكن مؤشرا على وجود تهديد أو هجوم كبير”، “لو كانت لدينا مثل هذه المعلومات بوجود تهديد أو هجوم لكنا بكل تأكيد قد تشاركنا بها مع السلطات التركية لكن هذا لم يحدث”.

  مارك تونر لم يتطرق في تصريحاته إلى التوتر في علاقات بلاده مع تركيا بعد تقاربها مع موسكو ولا إلى إحتمال تبدل السياسة التركية تجاه الحرب الدائرة على أرض الشام.

اعادة تقدير للحسابات

في توقيت متقارب كتب المحلل فاروق يوسف يوم 3 يوليو 2016 على موقع ميدل إيست أونلاين تحت عنوان:

خطأ صغير في الحساب أفسد الطبخة كلها. صار على الجميع أن يعيدوا النظر في تقديراتهم وحساباتهم.

بعد كل ما قيل عن معركة الفلوجة بالعراق، شوهد رتل من مئات السيارات وهو يغادر تلك المدينة التي محيت. مر ذلك الرتل بسلام من غير أن تعترضه الحواجز العسكرية العراقية التي كانت موجودة في طريقه ولا الطائرات الأمريكية المفترض أنها موجودة لضرب داعش. كاد الحدث أن يطوى لولا أن مسلحي عشيرة البو عيسى وهي واحدة من عشائر الأنبار تصدوا لذلك الرتل المغادر بمقاتلي داعش واوقعوا فيه عددا من الخسائر وهو ما دفع بأفراد الرتل أن يعلنوا مضطرين من خلال مكبرات الصوت أن خروجهم بتلك الطريقة تم وفق اتفاق مسبق.

كان الخطأ الصغير يكمن في عدم ابلاغ تلك العشيرة بصفقة الخيانة التي تواطأ الجميع على تمريرها، لتذهب بعدها داعش إلى مكان آمن، من خلاله تستطيع ممارسة ارهابها بطريقة أخرى.

بالتأكيد كانت طريق الرتل مرسومة بشكل واضح. وهي تؤدي كما أتوقع إلى المكان الذي يكون فيه نقل مقاتلي داعش بالطائرات ممكنا.

علاقة سرية

نهاية شهر أغسطس 2014 جاء في تقرير نشره موقع "ميديا برس انفو":

كيف يمكن تفسير قصف الجيش الأمريكي غير المنتج لبعض المواقع التي تسيطر عليها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام "داعش"؟.

لكي نستطيع تحليل هذه المعلومة، يجب علينا أن نعرف حقيقة العلاقة بين الولايات المتحدة ومؤسسي "داعش".

فالولايات المتحدة بالتعاون مع بعض حلفائها قاموا بتمويل وتجهيز المجموعات المسلحة التي شكلت "داعش"، وترجع هذه العلاقة إلى بداية محاولات الإطاحة ببشار الأسد في سوريا.

وفي وقت مبكر من عام 2007، أوضح الصحفي "سيمور هيرش" في صحيفة نيويورك تايمز كيف يقوم البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية بمساعدة حلفائها، بالعمل بطريقة ميكافيلية على تمويل المنظمات الجهادية ودعمها لصناعة "حمام دم" يبرر أي تدخل عسكري أمريكي في الوقت والكيفية التي تؤدي إلى إعادة رسم الحدود في هذه المنطقة الجغرافية.

الولايات المتحدة تسعى للظهور وكأنها صانعة السلام، بينما في الواقع هي من تخطط وتنظم عمليات الفوضى والعنف التي يدفع ثمنها الأبرياء من جميع الأديان والطوائف.

أمريكا ذات الوجهين

التخطيط الأمريكي القائم على إنشاء ودعم حركات مثل داعش ثم ضربها، له أهداف قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى تهدف في نهاية الأمر إلى تقسيم العراق إلى ثلاثة بلدان مستقلة وضعيفة وفي نفس الوقت لا تشكل خطرا على إسرائيل وبعد ذلك نقل عملية التفتيت إلى دول أخرى.

فحقيقة ما يحدث في العراق ليس حربا داخلية ولا صراعا بين السنة والشيعة، كما تروج له الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام الغربية أو العربية على السواء، كما أن القاعدة والحركات المسلحة الأخرى التي تفرعت عنها قدمت لواشنطن خدمات استراتيجية كبيرة سواء في أفغانستان أو العراق وصولا لتدمير البنى التحتية في سوريا.

ويوما بعد آخر تتكشف حقيقة أن عددا من تلك التنظيمات هي أحد أهم الأدوات التي تستخدمها واشنطن كقوات مشاة تعمل لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة دون إراقة دم جندي أمريكي واحد، وآخر خدمة قدمتها هي تخريب سوريا بالكامل تقريبا والتغلغل في عمق الأراضي العراقية لتدمير ما تبقى من هذه البلاد التي أنهكتها الصراعات المسلحة التي قادها أصدقاء واشنطن وحلفاؤها، وذلك لتمهيد الأرضية للبيت الأبيض كي يطبق خطته السرية الموضوعة منذ أمد بعيد لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات مستقلة ضعيفة واحدة يحكمها أمير من أهل السنة "خليفة"، والأخرى جمهورية شيعية والثالثة كردية.

بكلمات أخرى يمكننا القول: إن واشنطن تلعب دورا منافقا له أكثر من وجه، وتدعم كل الأطراف بشكل غير مباشر لاستمرار القتال أطول مدة ممكنة وإبقاء أطراف النزاع مجهزين بأسلحة كافية لمواصلة القتال لأجل اتساع رقعة الحرب الداخلية، فهي التي دربت مقاتلي داعش وزودتهم بالمعدات الحربية المتطورة، كما دعمت مموليها سياسيا واعلاميا، ولا سيما الذين يعملون تحت مظلة الأمريكان بشكل مباشر.

أزمة العلاقات السعودية الأمريكية

عرفت العلاقات السعودية الأمريكية مع بداية صيف سنة 2016 درجة من التوتر إعتبرها البعض الأخطر منذ 80 سنة وهو عمر العلاقات التحالفية بين الطرفين. هناك خلاف بين المحللين والسياسيين حول موعد بدء هذا التطور ولكن فئة كبيرة من هؤلاء تقدر أن فصلا أساسيا بدأ سنة 2014.

  في الثاني من شهر أكتوبر 2014 القى نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، خطابا في جامعة هارفارد حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم يتردد فيه في اتهام حلفاء واشنطن بالتسبب باتساع رقعة الارهاب في المنطقة عبر تسليح و تمويل الجماعات المتشددة.

وسمى بايدن السعودية و قطر وتركيا، كأطراف سعت لدعم الإرهاب عبر استخدام كل الوسائل، وعلى راسها تمويل وتسليح الجماعات المتشددة، ومنها القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وأضاف إن “مشكلتنا الكبرى كانت حلفاؤنا في المنطقة، الأتراك أصدقاء كبار لنا وكذلك السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها، لقد شنوا حربا بالوكالة بين السنة والشيعة وقدموا مئات الملايين من الدولارات وعشرات آلاف الأطنان من الأسلحة إلى كل الذين يقبلون بمقاتلة الأسد”.

  بايدن تجاهل وهو يلقي محاضرته أن أجهزة بلاده وفي مقدمتها المخابرات المركزية، هي وخاصة بعد غزو وإحتلال العراق سنة 2003 كانت أول من أشعل وإصطنع الصراع الطائفي في العراق ليسهل عليها مواجهة المقاومة الوطنية العراقية، وقد سعت إلى تعميم أمثاله في كل المنطقة العربية ليس بين السنة والشيعة أو المسيحيين والمسلمين فقط بل بين كل المكونات حتى الوهمية منها، ففي مصر مثلا أصبحت هناك شعوب سيناء والنوبة والواحات الغربية والصعيد.

 سجل المراقبون أن غضبة بايدن ورغم ما تبعها من إعتذارات واهية جاءت في توقيت صدمت فيه واشنطن بفشل مشروعها في مصر ودعم الإمارات والسعودية للحكومة الجديدة في القاهرة بعد إسقاط نظام الإخوان، وكذلك بروز أصوات مؤثرة في دول الخليج تطالب بإيجاد تسوية سياسية للحرب متعددة الأطراف في بلاد الشام ووقف النزيف الدموي بها.

  منذ تاريخ صدور إتهامات بادن والهجمات والإنتقادات الأمريكية خاصة على السعودية والإمارات العربية في منحنى تصاعدي ويتم من حين لآخر ولإعطئها مظهرا من المصداقية، تغطيتها بتعميم توجيه إتهامات لأطراف خارجة عن السياق.

  وفي كل مرة كانت فيه الهجمة الأمريكية تصل إلى مرحلة توليد ردة فعل قوية من جانب الأطراف الحقيقة المستهدفة، كان البيت الأبيض يخرج مسرحيات حول تلطيف الأجواء وينظم لقاءات المصالحة وإعادة التفاهم ليحول دون قيام الأطراف المستهدفة بإعادة النظر في سياساتها وتحالفاتها الخارجية.

  هذا الأسلوب كان واضحا في كل مرة كان يتم فيها التمهيد لبناء نوع جديد من العلاقات الخليجية مع روسيا أو الصين.

 الطعنات أو الضربات الأمريكية ضد بعض دول الخليج العربي توالت بعد تصريحات بادن، وجاءت أشدها في مارس 2016 حيث شن  الرئيس باراك أوباما في مقابلة له مع مجلة “ذي أتلانتيك”، هجوما لاذعاً على العديد من حلفاء الولايات المتحدة ولاسيما الخليجيين، حيث وصف السعودية بمصدر التطرف والإرهاب، والقى عليها صفة الراكب المجاني أو المنتفع المجاني، قائلا: “انهم يتجرون وينتفعون من الحرب على الإرهاب دون المشاركة فيها، مؤكدا على أن بعض دول الخليج تنتفع بالمجان من خلال دعوة أمريكا للتحرك دون أن تشارك بنفسها”.

الرياض ردت بلسان الرئيس الأسبق للاستخبارات السعودية الأمير تركي الفيصل، الذي عبر عن انزعاجه من وصف السعودية “بالراكب المجاني” قائلا “نحن لسنا الذين يمتطون ظهور الأخرين لتحقيق أهدافنا” ومذكرا الرئيس أوباما بالخدمات التي تقدمها السعودية للولايات المتحدة على حسابها، مثل شراء سندات الخزانة الأمريكية ذات الفوائد المنخفضة لدعم الاقتصاد الأمريكي.

وأضاف الفيصل في مقاله مخاطبا أوباما “تتهمنا بإذكاء الفتنة الطائفية في سوريا والعراق واليمن، ثم تزيد الطين بله وتطلب منا أن نتعايش مع إيران التي وصفتها أنت بأنها راعية للإرهاب”. وتساءل الفيصل عما إذا كان أوباما قد “انحاز إلى إيران إلى درجة تجعله يساوي بين صداقة بلاده الدائمة مع المملكة لثمانين عاما والقيادة الإيرانية التي لا تزال تصف أمريكا بأنها العدو الأكبر، ولا تزال تسلح وتمول الميليشيات الطائفية في العالمين العربي والإسلامي”.

إبتزاز متواصل

تتواصل عمليات الإبتزاز الأمريكية تجاه بعض دول مجلس التعاون الخليجي عبر توزيع الإتهامات ثم التخيف منها وتكرار هذا الأسلوب مرة تلو الأخرى.

وهكذا صرح مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” جون برينان يوم 2 مايو 2016، أن نشر تقرير كامل عن هجمات 11 سبتمبر 2001، يمكن أن يلحق الضرر بالعلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية. وذكر برينان في مقابلة مع محطة “ان بي سي” التلفزيونية الأمريكية: “لقد كان التقرير أوليا، وتضمن معلومات غير مؤكدة وغير مدققة”. ويجري الحديث على وجه الخصوص حول 28 صفحة، يقال إنها تظهر دعم بعض المسؤولين السعوديين لمنفذي الهجمات.

بعد ذلك بأسابيع قليلة وتوافقا مع التفجيرات في السعودية، أعلن أن واشنطن رفعت السرية عن وثيقة، تتضمن معلومات عن أكثر من 13 شخصاً مشتبه في وساطتهم بين سعوديين بينهم دبلوماسيون وخاطفي الطائرات التي نفذت هجمات 11 سبتمبر 2011، بحسب صحف أمريكية.

الصحف الأمريكية التي تناولت الوثيقة، التي أطلقت عليها “ملف 17″، أكدت في الوقت ذاته، أنه رغم ما جاء من معلومات في هذا الملف عن دبلوماسيين سعوديين، فإن التقرير النهائي للجنة تقصي الحقائق حول الهجمات ذاتها، والذي نشر عام 2002 لم يجد أي دليل على تورط الحكومة السعودية في الهجمات أو تمويل تنظيم “القاعدة”.

صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، ذكرت أن السيناتور الديموقراطي السابق بوب غراهام، الذي شارك في رئاسة لجنة تقصي الحقائق، إن “الكثير من المعلومات التي تضمنها “الملف 17″ تعتمد على ما هو وارد في التقرير السري.  ويعتقد غراهام، أن الخاطفين “تلقوا دعما سعوديا واسعا عندما كانوا في الولايات المتحدة قبل الهجمات”.  وقال غراهام: “الملف 17″ يتضمن أسئلة إضافية لم يتم الرد عليها، ويتضمن الطرق التي يجب أن تتبعها لجنة التحقيق ومكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية، للإجابة عليها”.

وبحسب الصحيفة، فإن “ملف 17″ تضمن أسماء الأشخاص الذين كان الخاطفون على علاقة بهم في الولايات المتحدة قبل الهجمات، بعضهم كانوا دبلوماسيين سعوديين، مثيراً تساؤلات بشأن ما إذا كان المسؤولون السعوديون على دراية بهذه المؤامرة أم لا.

استقرار السعودية

إذا كانت تفجيرات تركيا تعتبر تعبيرا من طرف ما على عدم الرضى عن التقارب من موسكو والتحول التدريجي في سياستها تجاه الحرب في بلاد الشام، فإن الهجمات المسلحة التي إستهدفت السعودية هي كذلك تحذير وتعبير عن عدم الرضى من الرياض خاصة بعد تأييدها لإبعاد نظام الإخوان عن الحكم في مصر ودعم حكومة السيسي بالقاهرة ماليا وإقتصاديا وخطط الرياض للتقارب مع بكين وموسكو.

للتعرف على خلفيات الهجمات ودلالاتها وتداعياتها ومدى تأثير ذلك على استقرار السعودية، حاورت محطة دويتش فيله الألمانية الخبير الألماني في الشؤون السعودية، سيبستيان زونس الذي قال:

تهدف الهجمات في السعودية، إلى إيصال رسالة مضمونها أنه لا أحد في مأمن بعد الآن. فالرسالة تهدف إلى نشر الخوف. واستهداف أماكن ظلت بعيدة عن التفجيرات في الماضي، مثل المدينة المنورة وجدة، سيثير قلق الحكومة السعودية.

التفجيرات الإرهابية تطارد السعودية منذ عام 2014. غير أنها اقتصرت حتى الأمس على المناطق الشرقية منها مستهدفة الشيعة. أما الآن وبوصول التفجيرات إلى المدينة المنورة وجدة فهذا يشكل خطرا جديدا على المملكة. الحكومة تقوم بالكثير للحفاظ على الاستقرار، غير أن تنظيم "الدولة الإسلامية" أعلن الآن العداء للبيت الملكي السعودي، وفي هذه الأثناء أيضا يقاتل أكثر من 2200 مواطنا سعوديا في صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية". وبناء على ذلك فإن من المحتمل أن يشهد المستقبل القريب هجمات جديدة.

  خبراء آخرون أشاروا مرات متعددة إلى أن الهجمات الإرهابية التي تتم في شرق السعودية حيث أقلية من الشيعة تستهدف خلق صراع ومواجهات طائفية تساعد في تنفيذ المخططات التي تهدف إلى تقسيم السعودية في نطاق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي وضعه المحافظون الجدد في واشنطن والقاضي بتقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دولة على أسس دينية وعرقية وقبلية ومناطقية.

  يوم 5 يوليو صرح بيتر بيرجن، محلل شؤون الأمن القومي في شبكة “سي.إن.إن.” الإخبارية الأمريكية، إن “مهاجمة مسجد للشيعة وموقع أمريكي القنصلية في جدة والمدينة المنورة يقصد منها جميعاً إحراج الرياض، إلا أن مهاجمة المدينة المنورة بالتحديد لما لها من قدسية كبيرة، يقصد به على وجه الخصوص العائلة المالكة باعتبار أنهم خدم الأماكن المقدسة”.

وشدد بيرجن على أن “هجوم المدينة ذو تأثير سلبي للغاية على من يقف خلفه، نظرا للموقع ذو القدسية العالية إلى جانب التوقيت وهو شهر رمضان، الأمر الذي يثير حملة انتقادات في العالم الإسلامي، وهو ما يجري بالفعل”.

  من جانبه قال محلل إستراتيجي أمني يعمل مع محطة "سي إن إن إن" الأمريكية، ان المملكة العربية السعودية عبارة عن هدف ضخم لداعش وأضاف إنه وبالنسبة لتنظيم داعش فإن السعودية تعتبر هدفا يمكن الاستعراض فيه بشكل حقيقي، لافتا إلى تبني التنظيم لمسؤولية التفجير الانتحاري الذي استهدف مسجد قوات الطوارئ في أغسطس 2015 بعسير جنوب المملكة، الأمر الذي خلف 13 قتيلا على الأقل وثمانية جرحى.

ويشار إلى أن قوات الطوارئ تابعة لوزارة الداخلية السعودية وهي مسؤولة عن عمليات رد سريع لعدد من المواقف مثل الإنقاذ أو أعمال الشغب وغيرها.

موسكو والكذبة الأمريكية

كتب الدكتور إبراهيم ابراش رئيس قسم الاجتماع و العلوم السياسية بكلية الآداب بجامعة الأزهر بقطاع غزة عن تدخل روسيا لمحاربة داعش في سوريا:

روسيا صادقة بقولها بأنها تهدف لضرب والقضاء على الجماعات المتطرفة وخصوصا تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن ليس من اجل تثبيت نظام الأسد بل لأهداف إستراتيجية روسية داخلية أو كنوع من حرب استباقية ضد جماعات متطرفة.

فكيف ذلك؟ ولماذا تتصادم وتتعارض السياسية الروسية مع السياسة الأمريكية ما دام الطرفان يزعمان بأن هدفهما محاربة الإرهاب وخصوصا تنظيم الدولة الإسلامية؟ ولماذا يعتبر تنظيم الإخوان المسلمين بأن التدخل الروسي في سوريا بمثابة احتلال وحرب على الإسلام بينما يبارك الإخوان التحالف الغربي بقيادة واشنطن الذي يقول أنه يقصف مواقع جماعات إسلامية بما فيها داعش في سوريا وليبيا؟.

 موسكو قلقة من توظيف واشنطن والغرب ورقة التطرف الديني وهشاشة الوضع الروسي بهذا الشأن في حربهم المستقبلية ضد روسيا، وذلك من خلال تحريك واشنطن لجماعة داعش الموالية لها أو صنيعتها أو جماعات أخرى شبيهة لتمارس إرهابها داخل الأراضي الروسية.

 يبدو أن موسكو لم تعد قادرة على الصبر على أكذوبة محاربة أمريكا للإرهاب أو وجود تحالف غربي لمحاربة داعش في سوريا والمنطقة، ولو كانت موسكو تعلم أن واشنطن تحارب داعش بالفعل ومعنية بالقضاء على الجماعات المتطرفة في المنطقة ما كانت تدخلت عسكريا، ولكن موسكو تعلم جيدا طبيعة العلاقة التي تربط الغرب بالجماعات الإسلامية منذ تأسيس الإخوان المسلمين في بداية القرن الماضي لمحاربة ومواجهة الشيوعية، إلى تأسيس القاعدة لمحاربة الغزو السوفيتي في أفغانستان نهاية سبعينيات القرن العشرين، إلى اختلاق توظيف جماعات الإسلام السياسي لتمرير مخطط الفوضى الخلاقة لتدمير وتفتيت الدول العربية تحت عنوان "الربيع العربي"، إلى تأسيس أو السكوت على تنظيم داعش لاستكمال ما عجز عن تحقيقه "الربيع العربي".

فهل يعقل بعد كل هذه السنوات وبعد 13 سنة من الاحتلال الأمريكي للعراق ووجود تحالف دولي لمحاربة الإرهاب... أن تستمر هذه الجماعات في العمل في العراق وخلال ثلاث سنوات يظهر تنظيم الدولة الإسلامية ويسيطر على مدن في سوريا والعراق وينتشر في عديد الدول العربية وخارجها ؟.

إن كل متابع لمجريات الأحداث منذ إعلان واشنطن عن الحملة العسكرية لمواجهة الإرهاب بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 سيلمس بوضوح أن هدف واشنطن ليس القضاء على ما تسميه إرهاب جماعات الإسلام المتطرف بل احتواء هذه الظاهرة وتوظيفها لتحقيق مصالح الغرب وإسرائيل في المنطقة، بل إن واشنطن تهيئ بعض هذه الجماعات لنقل نشاطها إلى دول جديدة، وموسكو تعلم أن واشنطن تجهز داعش لينتقل لساحات أخرى وخصوصا داخل الأراضي الروسية.

تقسيم

جاء في بحث أكاديمي نشر سنة 2014: خلال فترة إحتدام الحرب الباردة، اختارت الإدارة الأمريكية التحالف مع ما وصف بالاسلام المتطرف في محاولة واضحة لمحاربة النفوذ السوفياتي في الدول العربية والاسلامية آنذاك. فقسمت امريكا العالم الى قسمين: شطر يدين بالفكر القومي والحركات الوطنية التحررية يدعمه ويسانده الاتحاد السوفياتي، والشطر الآخر يحركه الاسلام السياسي المتشدد، والذي اعتبرته امريكا حليفا في الكفاح ضد الاتحاد السوفياتي.

لهذا السبب ساندت واستخدمت وكالة المخابرات المركزية الامريكية في منتصف الستينيات وبداية السبعينيات، جماعة الاخوان المسلمين في مصر، ضد نظام جمال عبد الناصر، كحاجز لإحباط التوسع السوفياتي ومنع انتشار الأيديولوجية الماركسية بين الجماهير العربية. وتتالى الدعم ليشمل الحركات الاسلامية المتطرفة ضد سوكارنو في إندونيسيا، والجماعة الاسلامية ضد ذو الفقار علي بوتو في باكستان. وأخيرا وبالتأكيد ليس آخرا، خلقت امريكا تنظيم "القاعدة"، في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، كأداة لطرد الاتحاد السوفياتي من افغانستان.

يعد تنظيم "داعش" احدث سلاح خلقته الولايات المتحدة الامريكية في مختبراتها السياسية ويشبه إلى حد كبير تنظيم القاعدة،

لكي يفهم المرء لماذا نمت وازدهرت "الدولة الإسلامية" بهذه السرعة، عليه أن يلقي نظرة على جذورها المدعومة من الولايات المتحدة. ان الغزو الأمريكي عام 2003 للعراق واحتلاله، وتدميره لجهاز الدولة واستبدال ادارته بإدارة ذات اغلبية شيعية تسبب في الفوضى السياسية وحالة الدمار والخراب الحالية. وهذا بعينه ما كانت تتطلع اليه أمريكا لخلق الأرضية الخصبة في العراق للانقسامات الطائفية.

هكذا ظهر الى الوجود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق الذي كان يستعمل حتى حدود عام 2010 اسم تنظيم القاعدة في العراق. الا انه بعد 2011، ومع اندلاع الأزمة في سوريا، غير التنظيم اسمه الى تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق وسوريا" المعروف باختصار ب"داعش". وأمريكا هي من سلحت داعش لإعلان الحرب على بشار الأسد لسببين: الأول للحد من خطر سوريا وحزب الله على إسرائيل ولمواجهة روسيا على ارض سوريا باعتبار الأسد حليف روسيا الرئيسي.

واللافت للنظر أن أمريكا تستغل وجود تنظيم داعش لثلاثة أغراض: الأول كمدخل لإثارة التهديد والخوف داخل المجتمع الأمريكي لتبرير التوسع الغير المسبوق للتجسس على المواطنين الأمريكيين وزيادة ميزانيات البنتاغون، والثاني كذريعة للتقسيم والغزو العسكري للشرق الأوسط الغني بالنفط، والثالث كأداة لحماية إسرائيل بمواجهة ما يسمى بالأعداء.

منع عودة الوحدة

أمر الهجمات الدامية في العراق وآخرها من حيث عدد الضحايا بمنطقة الكرادة التجارية، يختلف عما وقع في السعودية وتركيا من جوانب عدة ولكنه في نفس الوقت يخفي في طياته أهدافا مماثلة.

  الهجمات التي يعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها تستهدف، أولا خلط وتشويه عمليات المقاومة العراقية الوطنية التي قاتلت الجيش الأمريكي منذ سنة 2003 والتي حاول المحتلون تجاوزها بضربها بتنظيم القاعدة ووحدات ما سمي بالصحوة التي كونها البنتاغون الأمريكي، ثانيا تصعيد النعرات الطائفية في العراق خاصة بعد أن أخذ العديد من قادة السنة والشيعة في بلاد الرافدين وبعد 13 سنة من التجارب المريرة يهاجمون التدخل الأمريكي الإيراني ويدعون إلى إعادة لحمة الوحدة العراقية التي كانت سائدة قبل الغزو الأمريكي، ثالثا استغلال داعش لتمكين الطائفيين في العراق من زيادة عملية تمزيق النسيج السكاني وإخلاء مناطق من سكانها على أساس طائفي وبذلك تسهل عملية تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات.

عمر نجيب، كاتب وصحافي مصري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.