فتحي الحبوبي- أوطان من كذب، ومواطنون من حرمان وشقاء

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

قد كان لي وطنٌ أبكي لـ نكبته... واليوم لا وطنٌ عندي ولا سكنُ

ولا أرى في بلادٍ كنت أسكُنها... إلا حُثالة ناس قاءها الزمنُ

معروف الرصافي (1875م  1945م) 

ليس هناك في بلاد العرب "إلا حُثالة ناس قاءها الزمنُ"، هكذا قال معروف الرصافي شاعر العراق وكلّ العرب منذ أكثر من سبعة عقود من الزمن، في رؤية استشرافية شديدة الوضوح، تحاكي وتتماهى مع واقع العرب اليوم ولا سيّما منهم السياسيين على وجه التحديد والتخصيص. حيث أنّه باستغباء واستخفاف مفضوح بذكاء الشعوب العربية، وفي محاولة بائسة ويائسة لاستبلاهها، يدّعي الكثير من السياسيين العرب أنّهم ابتلوا بالمغالاة في حبّ الوطن منذ نعومة أظفارهم بما يجعل هذا الحبّ يسري في عروقهم كمكوّن أساس لدمائهم "الملوّثة بفيروس الفساد والخيانة". فيما هم في حقيقة الأمر والواقع، قد ابتلوا بالمغالاة في حبّ ذواتهم على حساب الوطن الذي نكب، بالتأكيد، وابتلى بوجودهم أيّما نكبة وابتلاء. فهؤلاء السياسيون "محترفو التجارة بالوطنيّة " إنّما ابتلوا بالمغالاة "بكفاءة واقتدار"، في نهب الوطن كلّ حسب ما تيسّر له وما استطاع إلى النهب سبيلا. لذلك فالوطن العربي كان ولا يزال وسيظلّ على الأرجح، واقعا بين مطرقة نهب ساسته، محترفي الدجل والنصب من أبنائه "الوطنيين" المغالين في حبّ نهبه لا في حبّه كما يزعمون، وسندان الأطماع والديون الخارجيّة التي ستؤدّي به إلى استجلاب المستعمر المتربّص به على الدّوام بمساعدة هؤلاء المغالين في حبّ الوطن إلى حدّ خيانته والتآمر عليه وفق مقولة "ما زاد على الحدّ إنقلب إلى الضدّ".

 وكنتيجة حتميّة لهذه الممارسة السكيزوفرينية التي عمادها الانفصام والحول السياسي أو لعلّه العمي، والتي يأتيها أغلب السياسيين العرب " الإقطاعيون؛ أدعياء الوطنية"، فإنّه يمكن الجزم، دون إمكانيّة الوقوع في الخطأ، بأنّ دراما أو تراجيديا الإنسان العربي الذي يعاني جرّاء مغالاتهم في حبّ الوطن، استلابا وتغريبا عن الذات وعن الآخرين كتعبير عن صراع بين الأنا والنحن، إنّما هي تراجيديا غير مرشّحة للزوال فهي لا زمنية، بل لعلّها عبر زمنية.

إذ كيف يمكن أن تزول هذه التراجيديا، والإنسان العربي الحالم دوما بالعيش السعيد في وطن حرّ ومتقدّم، تعصف به المصائب اليوم من كل حدب وصوب، ويتماهى وضعه المعيشي مع ما عبّر عنه الشاعر الفلسطيني سميح القاسم بالقول:

يا أيّها الموتى بلا موت

تعبت من الحياة بلا حياة

فهو يشاهد دول العالم المتقدم تشقّ طريق التنمية بثبات وكفاءة. لا بل، وتحققّ نموّا وازدهارا في مختلف المجالات. وتتوفّر على قاعدة اقتصاديّة قويّة ومتنوّعة تهيمن بفضلها على الاقتصاد العالمي. فيما يلحظ أنّ العرب لا يزالون يصارعون من أجل توفير مجرّد العيش البسيط، ناهيك عن العيش الكريم أو المرفّه بما يعنيه من تكريس لسيادة قيم العدل والحريّة. ذلك أنّ العرب قد تعوّدوا على انتهاج سياسة فاشيّة موسومة وموصومة بالتسلّط والقمع والديكتاتورية، عبّر عنها الشاعر العراقي أحمد مطر الذي عرف عذاب السجن بالقول في قصيدة "ما أصعب الكلام" مخاطبا الراحل الفلسطيني ناجي العلي:

اصعَـدْ فموطنك المُـرّجَى مخفر

متعددُ اللهجات والأزياءِ

للشرطة الخصيان، أو للشرطة

الثوار، أو للشرطة الأدباءِ

وقد أدّت هذه السياسة العربيّة الهوجاء إلى تراجع تدفّق الاستثمار داخليّا وخارجيّا بما أنهك اقتصاداتها. ولا نستثني من ذلك اقتصاديات الدول التي هي أفضل حال من غيرها؛ وهي الدول المنتجة للنفط التي لا تمانع من بيع ثرواتها بأبخس الأثمان فتساهم في انهيار أسعار البترول؛ بما يعني تراجع معدلات النموّ الاقتصادي على مستوى الوطن العربي كافة، إلى أدنى مستوياتها التي تحوم عادة حول الصفر سلبا وإيجابا.

 نعم، كيف يعقل أن تزول هذه التراجيديا والعرب يعيشون في تخلّف وجهل وأمّيّة وفقر مدقع، وعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي غذائيا في إطار اقتصاد ينهار باستمرار بوتيرة سريعة، تؤدّي إلى اللجوء إلى مراكمة الديون الخارجيّة بما يضاعف من معاناة الإنسان العربي الأليمة، في علاقة بتفشّي الجوع والمرض والبطالة وانتشار اليأس والإحباط والنزاعات المسلّحة التي ما انفكّت تتّسع دوائرها لتزيد من إنهاكه وتعمّق مأساته. لا بل، وفي علاقة بتفكيك مؤسسات الدولة والتفريط في السيادة الوطنيّة وبالحروب الأهليّة التي لا تشيح بوجهها أبدا عن أرض العرب، فهي لا تنتهي ردحا إلّا لتعود دهرا. وكيف تنتهي هذه التراجيديا والعالم العربي يشبه الجحيم فهو يشهد، اضطرابات داخليّة خطيرة تعطّل نسق حياة المواطن، وأوضاعاً أمنيّة واجتماعيّة وسياسيّة واقتصادية متدهورة تعيق تحقيق النموّ ولا تبعث إلّا على القلق الشديد على مستقبل أمّة العرب التي ما انفكّت تتقهقر بسرعة السقوط الحرّ منذ سقوط غرناطة أواخر القرن الخامس عشر. إنّني لا أقول هذا من باب التهويل والتشاؤم أو التنكيد والتنغيص على الإنسان العربي المقبل على الحياة، بل من باب نيل شرف الإصداع بالحقيقة كما هي ودون تجميل، بما يتماهى مع مقولة الرئيس الامريكي الأسبق هاري ترومان"إنّني لم أعكّر صفو حياتهم أبدا، إنّني فقط أخبرهم بالحقيقة.. فيرونها جحيما". فاذا كان هذا حال الأمريكان في فترة ما من تاريخهم وهم من هم من القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة، فأيّ حال وأيّ مستقبل لأمّة تنام وتصحو على قصف المدافع وتدمير البني التحتيّة التي تتوفّر عليها رغم قلّتها ورداءتها، لا لشيء إلّا لأنّ حكّامها قد اتّفقت رؤاهم العقديّة والسياسيّة على توحيد الله وتقسيم الأوطان، وعلى أن يُقتَل المسلمون بسيوف المسلمين في تواصل وإعادة إنتاج لما حدث في التاريخ من هلاك الصحابة بسيوف الصحابة*! وأيّ مستقبل لأمّة يذبح فيها الكبار والصغار، نساء ورجالا، وتسيل دماء أبنائها بغزارة في كل لحظة، ويُهجّر ويهجر مواطنوها من ديارهم في كل يوم وتُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها في مشهد سريالي يومي دائم التكرار، يثير القرف ولا يليق حتّى بإنسان العصر الحجري، ناهيك عن إنسان القرن الواحد والعشرين، ويدّعي ساستها مع ذلك، في غير ما إستحياء من شعوبهم ولأخجل من أنفسهم، أنّهم يضحّون بحياتهم من أجل "الحريّة للوطن والسعادة للشعب" .

 وأيّ مستقبل لأمّة تنام وتصحو، بكلّيتها وأجزائها، على إذكاء الفتن والنعرات الطائفيّة والتقاتل المذهبي، وعلى مشاهد لأطفال يتضوّرون جوعا، ولأشلاء ضحايا الارهاب السلفي المستفحل على امتداد رقعة الوطن العربي بما هو "دار الإسلام " أكثر منه في "دار الكفر والحرب" **. وفي هذا المعنى يقول أحمد مطر في ذكرى وفاة ناجي العلي:

اصعدْ، فهذي الأرض بيتُ دعارة

فيها البقاءُ معلّقٌ ببغاءِ!

مَنْ لم يمُت بالسيفِ مات بطلقة

من عاش فينا عيشة الشرفاء!

ماذا يضيرك أن تُفارقَ أمّةً

ليست سوى خطأ من الأخطاءِ

أليس من المعيب أن تتحوّل "خير أمّة أخرجت إلى النّاس" إلى أمّة يعتبرها أبناؤها فضلا عن أعدائها بأنّها "ليست سوى خطأ من الأخطاء"ِ ولا يعدّ هذا المآل البائس، إلّا النَّزْرَ من "بركات" ساستها المخاتلين، المغالين في حبّ أوطانهم، غير المقصّرين في نهبه "صباحا مساء، وقبل الصّباح وبعد المساء ويـوم الأحـد" كما قال الشاعر التونسي الرّاحل الصغيّر أولاد أحمد الذي تفاءل بحدوث التغيير مؤكّدا أنّ:

الريـحُ آتيـةٌ وبيوتهـم قـشّ.. والكـفّ عاليـة وزجاجهـم هـشّ

لا تحزنـوا أبـدا يا إخوتـي، أبدا.. إن شـرّدوا طيـرا، يمضـي لـه العـشّ

ثمّ أليس من المعيب والمستغرب أيضا، أن يستمرّ العرب، برغم كلّ المآسي والفواجع التي سبّبها لهم حكّامهم السابقين والحاليين، افي تقديس البعض منهم حدّ العبادة، في تغاض تام وواضح عن عثراتهم، سقطاتهم، أخطائهم وجرائمهم التي لا تغتفر في حقّ الوطن والمواطن على مدى فترات حكمهم الطويلة التي امتدّت لأجيال متعاقبة. فلا تزال قطاعات واسعة من الجماهير العربيّة في مصر وغير مصر، تلهج بذكر مناقب جمال عبد الناصر وبطولاته رغم أنّه تسبّب في هزيمة 1967 الكارثيّة على مصر وعلى كامل الوطن العربي والتي استقبلها البعض، تماما، كما يستقبل النصر، فيما اعتبرها البعض الآخر مجرّد نكسة، والحال أنّها نكبة تفوق في حجمها نكبة 1948. وكان عبد النّاصر قد تسبّب قبل ذلك في مقتل 26 ألف مصري في حربه على اليمن عدا القتلى اليمنيين (200 ألف)، وهي الحرب التي اعتبرها المؤرّخون بمثابة "فيتنام مصر". كما تسبّب في الانفصال بين مصر والسودان رغم رفعه لراية الوحدة العربيّة. وفي ذات السياق، لا تزال شرائح واسعة من المجتمع العربي في تونس وغير تونس تشيد بخصال الحبيب بورقيبة، رغم أنّه ترك تونس عند الإنقلاب عليه على حافة الإنهيار الإقتصادي. لا بل، ورغم تصفيته لخصومه السياسيين وخوضه تجربة التعاضد الفاشلة التي أدّت إلى مآسي لا حصر لها عاناها صغار الفلاّحين والتجّار. يضاف إلى ذلك أنّ سياسة بورقيبة التنمويّة كان محورها الأساس تنمية الساحل على حساب المناطق الداخليّة للبلاد. وحتّى لا أثقل على نفسي وعلى القارئ، فلن أسهب في التفاصيل وأكتفي بمجرّد الإشارة السريعة إلى قادة عرب آخرين لا يزالون يحظون بإعجاب الجماهير العربيّة رغم الفساد الذي أحدثوه في بلدانهم وأحيانا في بلدان مجاورة. وحتّى لا نتكاذب، فإنّ الأغلب الأعمّ من الجماهير المعجبة بالرؤساء الدكتاتوريين، قد يكون حصل بشكل من الأشكال على منفعة ما من هؤلاء الإقطاعيين السياسيين. وعلى كلّ فإنّ للنّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ كما قال أبو فراس الحمداني. ولكن لا يعني ذلك، مطلقا، إقرارا بأنّ هؤلاء الحكّام لم يساهموا بالقسط الأكبر في تمدّد تراجيديا الإنسان العربي في التاريخ والجغرافيا في آن معا. وأكتفي في النهاية بالقول لكلّ السياسيين العرب، من سبق ومن لحق وسيلحق، تبّا لكم جميعا ودون استثناء، فأنتم سبب بلوانا وجحيم حياتنا اليوميّة. ولئن فتح لنا بعضكم المدارس لنتعلّم والمستشفيات لنتداوى فهذا من صميم دوركم وليس من قبيل المنّة منكم علينا، لأنّنا مواطنون ولسنا قطيع أغنام. فهل استوعبتم الدرس؟؟ إنّي أشكّ وأتّهم، تأسّيا بما فعله إميل زولا Emile Zola في رسالته التاريخيّة والشهيرة لرئيس جمهورية فرنسا "فليكس فور" Félix Faure حول قضية Dreyfus وعنوانها "إنّي أتّهم" J’Accuse…!

فتحي الحبوبي، كاتب ومهندس تونسي

* أنظر الفصل الثانى من كتاب (الصحابة والصحابة) بعنوان (الصحابة والقتل) لخليل عبد الكريم الصادر عن دار سينا للنشر سنة 1997.

** أنظر تعريف الشوكاني لدار الإسلام ولدار الحرب والكفر في كتاب (السيل الجرّار)

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.