علي الصراف- الطائفة الرابعة في العراق

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

لا تبدو مكافحة الفساد في العراق مهمة مستحيلة إلا لأن الفساد قد استشرى وتفشى الى حد يجوز معه القول إنه هو "الدولة"!

 أولا، إنه فساد مؤسسي شامل. فانطلاقا من طبيعة نظام المحاصصة الطائفية الذي أنشأه بول بريمر رئيس هيئة الحكم في العراق عقب الاحتلال، صار لكل جماعة "حصة"، وصارت علاقات الاستيلاء والنهب و"التقاسم" هي الأساس.

هذا النظام سمح للجماعات الطائفية، بأن تفرض هيمنتها على كل المؤسسات الحكومية وكل دوائر الدولة، وأن يديرها كل طرف على هواه، ووفقا لمصالحه الخاصة. وليقوم بتعبئتها بطواقم من الجهلة ومزوري الشهادات، فضلا عن الطواقم "الفضائية" (والتي تعني قائمة موظفين وهميين، يجري نهب رواتبها لصالح الجماعة التي تهيمن على هذه الدائرة أو تلك).

هذا الأمر يعني بوضوح انه لم تعد هناك مؤسسة دولة، وإنما مؤسسة مليشيات متفرقة ومتنافسة ومتنازعة، يسعى كل منها الى نهب كل ما يمكن نهبه من موارد الدولة.

لهذا السبب، ظلت الخدمات تتراجع، بالرغم من كثرة الموارد. ولهذا السبب أيضا نمت قدرات الفساد وشبكاته لتشمل كل وجه من وجوه الحياة.

ومع تنامي قدرة الفساد وامتلاء محفظة شبكاته بعشرات المليارات من الدولارات فقد توفرت لسلطة المليشيات الفرصة لكي ترعى سلسلة لا نهاية لها من عمليات الإفساد الجماعي.

فالأموال التي تم الاستيلاء عليها (سواء من عائدات برنامج "النفط مقابل الغذاء" التي تسلمتها سلطة بول بريمر، أو التي تم السطو عليها فيما بعد) كانت ضخمة الى درجة أنه كان بوسع كل جماعة من جماعات المحاصصة أن تشتري أتباعا، وأن تبني "قاعدة" شعبية خاصة بها، وتمولها من عطايا النهب المنظم لموارد الدولة.

هكذا، تحول الفساد الى طاعون. ذلك أنه صار يملك لنفسه "شعبا" يعيش عليه ويعمل وفقا لآلياته ويلتزم حياله بالولاء. فمن ذا الذي سيكشف ملفات الفساد، وهو جزء منه، من فوق ومن تحت؟

أكثر من ذلك، فان التقسيمات الطائفية، من فوق، بددت مفهوم "الشعب العراقي".

لم يعد هناك شعب يمكن أن ينسب نفسه الى وطن. بل هناك مجموعات متنافرة من "الشعوب" التي تنسب نفسها الى طائفة أو عرق، ولكل واحد منها جغرافيا خاصة به.

وإذا كانت هذه مصيبة، فالمصيبة، من تحت، كانت أعظم. ذلك أن الجماعات المتنافرة في داخل طائفة، كونت لنفسها "شعبا" خاصا بها من الموالين والأتباع.

الكل طبعا، يعيش على موارد الدولة الوهمية التي تقوم على مؤسسات رسمية شكلية من قبيل الوزارات والبرلمان وغيرها من "عدة الشغل" التي كان يتعين عليها أن ترعى الحصص وتحفظ توازنات الفساد والإفساد بين الجميع.

هكذا، لم يعد هناك شعب عراقي أصلا. وهو البلاء الأكثر تعبيرا عن الانسحاق التام أمام طاعون الفساد.

فحتى لو توفرت الإرادة لأي كان، من أجل محاربة الفساد، فانه لن يمتلك القوة لكسب المعركة. وحتى إذا امتلك القوة، فانه يجب أن يفرضها من خلال حرب حقيقية مع قوى الآخرين و"مصالحهم". وهو ما يعني حربا مفتوحة بين الجميع وعلى الجميع.

القصة، إذن، ليست قصة ملفات يمكن أو لا يمكن الكشف عنها، كما أنها ليست قصة "رؤوس" مفردة، وهي كثيرة جدا. إنها قصة نظام بأكمله، قام من الإساس، على قاعدة الفساد، وعلى بناء "مجتمعات" متنافسة تعيش عليه وترتع من فرصه وقدراته السحرية على ملئ الجيوب.

وبينما من المفهوم أن يكون هناك الكثير من ذوي "الوطنية" الغائبة، الذين يبحثون عن نظام مؤسسي جديد يستعيد وحدة العراق ويستعيد وجود شعبه ويرفضون "المشروع الفيدرالي"، فالحقيقة هي أن هناك الكثير أيضا من جماعات الفساد الذين يعارضون هذا المشروع لأنهم لا يريدون إجراء تعديل على طبيعة النظام القائم.

فهل من سبيل للعثور على مكان في العراق (تحت أي مسمى، فيدرالي أو غير فيدرالي)، يتجمع فيه "العراقيون" الذين لا يضعون أي هوية أخرى فوق انتمائهم لوطنهم؟

هل من سبيل للعثور على مكان في العراق لبناء "عراق مصغر" يقوم على مؤسسة إدارة حديثة، تحترم قيم العدل والمساواة أمام القانون، ويمكن من خلالها استعادة الوطنية الغائبة؟

هل من مكان، ولو كان محافظة واحدة من محافظات العراق الـ 18، يمكن أن يلوذ بها "شتات" العراقيين الآخرين ليبنوا وطنا صغيرا على مقاس أحلامهم الكبيرة بعراق طاهر من الاستبداد، وطاهر من العنف والظلم والتمييز والفساد؟

لا يمكن الزعم أن هذه المحافظة ستكون "مدينة فاضلة"، بعد كل هذا الانحطاط. العراقيون لم يبنوا مدنا فاضلة في تاريخهم. ولكن يظل الأمل قائما، ولو بمدينة واحدة تنطوي على القليل من الإنصاف.

ما الذي يمنع أن يكون "الشعب العراقي" هو "الطائفة الرابعة" (بعد "السنة" و"الشيعة" و"الأكراد")، وأن يكون له مكان، أي مكان كان، في هذا "العراق"؟

ما الذي يمنع أن يسعى "العراقيون"، في أن تكون لهم مدينة يدخلها كل هارب من الفساد، وكل هارب من طائفية الآخرين، وكل باحث عن دولة عدل وحرية وأمان.

وأظن أنه لا توجد مشكلة لو بقيت مؤسسات الفساد ترتع، كلٌ في "حصتها" وفي عالمها الخاص.

النموذج المضاد الذي قد يبنيه أبناء "الطائفة الرابعة"، سيكون ملهما، ليكون بعدها قوة استقطاب وإعادة بناء. وربما، مدينة بعد أخرى، سوف يمكن إعادة بناء ذلك الوطن الذي دمره الطاعون وحوّله الى رماد.

فهل من مكان؟

سؤالٌ، لا أناشد به الحنين الى وطنٍ ضيّعنا وضيّعناه. ولكني أناشد به بقايا شعب ليس له مكان، وبقايا وطنية تغرق مثل قارب متهالك في خضم بحرٍ عات.

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.