عمر نجيب - أسلوب الحروب المتجددة في مشروع الشرق الأوسط الكبير

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

شكل التدخل العسكري الأمريكي المباشر لاحتلال العراق سنة 2003 نقلة نوعية في تطور التكتيكات التي تتبعها واشنطن لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد والهادف إلى إعادة رسم حدود دول المنطقة وتقسيمها وإقامة ما بين 54 و56 دولة على أسس عرقية وطائفية ودينية تحت غطاء نشر الديمقراطية وحقوق الشعوب والأقليات، مما يكفل ضمان استقرار نظام استعماري جديد بنكهة القرن الحادي والعشرين يؤمن الحفاظ على مصالح الغرب وسلامة وتوسع الكيان الصهيوني. 

 اصطدم المخطط الأمريكي في بلاد الرافدين بمقاومة لم تتوقعها دوائر صنع القرار بالبيت الأبيض، وتكبدت الولايات المتحدة زيادة على الخسائر البشرية المعلنة وهي 5460 قتيل وأكثر من 32100 جريح و4825 قتيل من مسلحي شركات الأمن الخاصة خسائر مادية ضخمة شكلت أحد عناصر الأزمة المالية الأمريكية سنة 2008 والتي أثرت على غالبية دول العالم وتبقى آثارها مستمرة إلى سنة 2016. الكاتب والمؤرخ الأمريكي الشهير بول كينيدي قدر خسائر بلاده المادية من حرب العراق وحتى سنة 2008 بأكثر من 3020 مليار دولار.

نهاية عهد الإمبراطورية

  كيندي حذر من أن مغامرة واشنطن في العراق قد تشكل نهاية عهد الإمبراطورية الجديدة. وكان المؤرخ الأمريكي قد أشار في كتاب له قبل سنوات من احتلال العراق بأن قدرة قوة عظمى يمكن قياسها على النحو الملائم فقط مقارنة بقوى أخرى، ويقدم نظرية حول ذلك: هيمنة القوى العظمى (على المدى البعيد، أو في صراعات محددة لها علاقة قوية بالموارد المتاحة والتحملية الاقتصادية، التمدد العسكري المفرط والأفول النسبي المصاحب هو التهديد المستمر الذي يواجه القوى ذات الطموح والمتطلبات الأمنية التي تتجاوز ما يمكن تقدمه مواردها المتاحة.

خلال الكتاب، يعيد كيندي تكرار ما بينه: من أن المساعي العسكرية والبحرية لم تكن دائما سبب وجود الدول الجديدة، لكنها بالتأكيد كانت نشاطها الأكثر تكلفة وإلحاحا، وتظل كذلك حتى أفول القوة. ويستنتج أن الدول آفلة القوة تختبر صعوبات أكثر في الموازنة بين تفضيلاتها من البنادق، والزبدة، والاستثمارات.

 وحذر كيندي من أن وضع السياسة الأمريكية قد انتهى إلى الوقوع في فخ الالتزامات العسكرية أبان الحرب الباردة والتحديات الاقتصادية الجديدة على امتداد الإطار الباسيفيكي، وفي صيغة نبوئية راهن كيندي على أن المهمة التي ستواجه رجال الدولة الأمريكيون في العقود القادمة، هي إدارة الأمور على نحو يجعل التآكل النسبي في وضع الولايات المتحدة يحدث ببطء وهدوء. 

قوى بديلة

  إدارة البيت الأبيض وخلفها كل ذلك المركب الاقتصادي العسكري الذي يوجها في ظل نظام سياسي يوصفه أنصاره بالديمقراطية وينعته منتقدوه بحكم رأس المال، اختارت بعد تنصيب أوباما رئيسا في 20 يناير 2009 تجربة أساليب جديدة لمواصلة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد يقلص خسائرها البشرية والمادية عن طريق توظيف قوى بديلة محلية وإقليمية لصنع حالة ما يسمونه الفوضى الخلاقة.

يشير كارلهانيتس دشنر في كتابه (المولوخ- إله الشر) ضمن فقرة عنونها بـ (أكثر شعوب الأرض فوضوية) إلى أنه منذ أن وجدت الولايات المتحدة فهي تحمي العنف أكثر مما تحميها القوة، وقلما يميزها شيء آخر، والعنف يتفشى هنالك منذ البداية والناس يدينون له بكل شيء، فالمزرعة، والمدينة، والدولة، والأمة، هذه كانت قد نشأت من العنف، ولا شيء سوى العنف، وكل شيء نتاج الغزو والحرب، وكل شيء نتج في حملة قرصنة هائلة لم يعرف لها التاريخ مثيلا.

وكأن منطق العنف أضفى لمسة من السخرية القاتلة على القارة الأمريكية التي كانت قبل مجيء كولومبوس خاوية من البشر؟ تنتظر من السادة الجدد منحها الجنسية الإنكليزية. وإذا تتبعنا مسار هبوط آدم الأمريكي إلى تلك الأراضي البكر بعد أن تذوق تفاحة الاكتشاف وغرق في خطيئة السقوط الاستعماري، نجد أنه لم يكن يهتم لتلك القلة القليلة من ملائكة السكان الأصليين المشاغبة التي لم تتجاوز المليون ممن حفروا قبورهم بأيديهم نتيجة حرب غير متكافئة أو نتيجة الأوبئة التي حملها الأوربيون، وقد قامت حرب التطهير الجديدة بإفراغ العالم الجديد من سكانه، أي ببساطة، القضاء على أكثر من أربعمائة شعب وأمة وقبيلة كانت تنتشر في الشمال الأمريكي فوق مساحة أكبر من أوربا بنصف مليون ميل مربع، ومنذ هبوط آدم الجديد إلى أرض الذهب والفحم الحجري والمعادن النفيسة وحتى بزوغ فجر السوبرمان الأمريكي الذي أخذ على عاتقه إنقاذ فتيات اليانكي الشقراوات من الإرهابيين كان الآخر المتوحش حاضرا على الدوام بوصفه العدو الذي ينبغي تصفيته سريعا قبل أن يحيل جنة الحداثة إلى جحيم بدائي.

  تمارس قوة الولايات المتحدة جاذبيتها بوصفها ضامنة النظام في ساحة أصبحت أكبر مثال على الفوضى، التي هي وبالمناسبة كلمة محببة لدى بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق الذي لا يزال يرى بأن التاريخ هو نتاج الفوضى أكثر منه نتاج المؤامرة.

نمط من التناقضات المحببة

يقول محلل غربي: التناقضات لا مفر منها في منظور العقل السياسي الأمريكي والمفارقة تأخذ زخمها من الطابع المأساوي للغموض الذي يثير السخرية في منظومة المفاهيم الرائجة، مثلا السلام الأمريكي الذي ينقض السلام القائم بين دول مستقلة متساوية السيادة ويعرض نفسه في صورة الاندماج تحت سيطرة دولة واحدة تفرض سلاما هو في الواقع السلام الجاثم فوق قبر الحرية وليس السلام الصادر عن الرغبة الصادقة في التعاون بين الدول مثله مثل ما عرف بالسلام الروماني أي في الواقع استبداد روما بسائر شعوب الأرض أو السلام الأمريكي الذي يدعو إليه العقل السياسي الأمريكي ولا يعني في جوهره سوى إخضاع العالم للهيمنة الانفرادية لدولة تقدم في الوقت نفسه للعالم حروب الدمار التي توحد البشرية، ولكن في سلام القبر.

لابد إذن من تعديل المخيلة لكي تستوعب تناقضات شائعة كخرافة أن الرعب النووي المسمى الردع النووي هو الذي حفظ العالم من شرور الحرب العالمية الثالثة، وإن الحرب هي التي تؤدي للسلام وهذا هو هدف جميع الحروب الأمريكية التي تريد بناء عالم يسوده السلام عبر الترويج لاستخدام القوة وشن الحرب.

كما ينبغي لكي يأخذ التناقض مداه في الحفاظ على وحدة الهدف، لابد من تعديل المخيلة السياسية بحيث تأخذ في اعتبارها وهي تعالج مسألة الأمن أن تصنع "اللاأمن" وتستمد منه شرعيتها الأساسية، إن كل ما هو مضاد يفكر بروح الشيء الذي هو ضده، لذا فلا سبيل للتفكير في الأمن بحسب "مايكل ديلون" إلا بدمج بقايا "اللاأمن" في مدلول الأمن نفسه، أي إن الأمن لا يحدث إلا بمقدار الفاصل الذي يفصل بينه وبين الآخر بالنسبة له وهو لا يكون على ما هو عليه إلا بمقتضى وجود "اللاأمن" في نفس الوقت ودائما داخل الأمن نفسه.

والحمى المسوقة للجمهور العريض المغفل عن صنوف "اللاأمن" التي تنتجها المخيلة الهوليودية تتغذى من النار المستعرة ذاتها في أعماق التناقض الذي لا مفر منه ناهيك عن استبعاد ما يستقيم للمنظور التقليدي كمثل أن أمن الجزء مرتبط عضويا بأمن الكل وعندما يتعرض الجزء للخطر ينبري الكل للدفاع عن الجزء المهدد، لكنه يصاغ بتعديل المخيلة على نحو يلائم رؤية الأهداف الأمريكية على أنها أهداف كونية فجغرافيا العالم هي المجال الحيوي لمنظومة الأمن الأمريكية ومخيلتها المعدلة في تضخيم منطاد الأمن القومي الأمريكي ليصبح هو أمن العالم وتحدياته هي التحديات التي تواجه البشرية، فأمن الجزء "الولايات المتحدة" هو أمن الكل لأن الأول هو الضامن للنظام من خطر الفوضى، هو نوح الجديد الذي ستحمل سفينته الجديدة كل المحمولين على سطح النظام وإغراق المارقين في لجج الفوضى التي أحدثوها.

وباختصار فإن هناك داخل العقل السياسي الأمريكي ارتباط جوهريا وصلة لا تنفصم بين الأمن واللاأمن، وبالتالي فالتناقض الجذري للأمن لا يعد مفارقة ظاهرية، كما أنه ليس تناقضا يمكن حله بمزيد من الدقة في التأمين، فهو تناقض لا مفر منه ويمثل الدينامية وراء الطريقة التي يعمل بها الأمن كمبدأ تكويني توليدي لإفراز الانتظام السياسي ولا يمكن للأمن أن يؤمن إلا لأنه لا يؤمن، والغموض هو الذي يتسم بالمأساوية في جوهره.

  مع تبني إدارة الرئيس أوباما أسلوبا بديلا في عملية صياغة شرق أوسط جديد إنطلاقا من العراق البوابة الشرقية للمنطقة العربية وحتى سواحل الشمال الأفريقي على المحيط الأطلسي غربا، عرفت عدد من الأقطار ما وصف غربيا بالربيع العربي الذي لم يكن سوى استغلالا استعماريا لعملية تطور ومطالب إصلاحية وتحويلها إلى فوضى، وتبريرها بحملة تشويه وكذب وتحوير للحقائق جندت لها إمكانيات هائلة وساهمت في تعزيزها قوى محلية تم إغراؤها بالسلطة والمال.

  في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 أنشأ البنتاغون برعاية وزير الدفاع السابق رامسفيلد مكتبا أسماه "مكتب التأثير الاستراتيجي". أطلقت الصحافة عليه فيما بعد اسم "مكتب التضليل الإعلامي" ، لأن مهمته الحقيقية هي ممارسة التضليل الإعلامي على الصحافة و وكالات الأنباء عبر تزويدها بطرق مباشرة ،أو غير مباشرة ، بأخبار يختلط فيها الحقيقي بالمزيف، الصادق بالكاذب، و ذلك خدمة لاستراتيجيات البنتاغون و أهداف الإدارة الأمريكية السياسية و العسكرية.

ظل عمل هذا المكتب سريا حتى كشفت عنه النيويورك تايمز، فأعلنت الإدارة الأمريكية عن إغلاقه حفاظاً على مصداقية البنتاغون ولكن الحقيقة أنه استمر في نشاطه تحت مسميات أخرى وبإشراف مكتب الأمن القومي بدلا من البنتاغون. تبين من خلال القليل الذي رشح عن عمل هذا المكتب أنه لم يكن يزود المعلومات للصحافة ووكالات الأنباء مباشرة إنما عبر طرف ثالث لتبدو عالية المصداقية وحيادية. و قد عرف العالم بعضا من طريقة عمله عند افتضاح ما سمي "فضيحة رشوة الصحافة العراقية" من قبل قوات الاحتلال التي انفجرت عام 2005، فشركة "لنكون غروب"، و هي شركة علاقات عامة أصحابها من قدامى المحاربين، حصلت على مقاولة من "وحدة المهام الخاصة بالعمليات المعلوماتية" في "قوات التحالف"، لتشرف هذه الشركة على عملية تحرير المقالات، ثم يتم ترجمتها عبر مقاول عراقي، ثم إلى مقاول آخر مهمته حمل هذه المقالات أو القصص إلى الصحيفة المتفق معها مسبقا مع كمية من الدولارات لنشر المقال في الصحيفة كإعلان مدفوع الأجر، لكن دون الإشارة إلى ذلك على صفحات الجريدة، و بعد وضع اسم ما حقيقي أو موهوم لكاتب القصة. ومن هذه الصحف تنقل صحف أخرى المقالات أو القصص. وبالطبع تحمل هذه المقالات أفكار المحتلين عبر إشاعة أجواء ايجابية عن واقع العراق تحت الاحتلال، ورسم صورة إنسانية لجندي الاحتلال، وحرف النظر عن مواضيع أساسية لصالح مواضيع ثانوية، أو عبر تبني رواية الاحتلال لما يجري في العراق على أنه حرب أهلية بين السنة والشيعة، وأن مهمة الاحتلال تتلخص بالتوفيق بين الطرفين و منع نشوب النزاع بينهما.

 أما لماذا لا ينشر البنتاغون هذه القصص مباشرة عبر مكتبه الإعلامي؟ فذلك لسبب واضح فهو يريد أن يعطيها طابع الحيادية عبر ظهورها كمقالات مهنية عادية، وبأقلام صحفية محايدة، وفي وسائل إعلام محايدة.

 مع بداية صيف سنة 2016 تعرف منطقة الشرق الأوسط عدة بؤر مواجهة رئيسية ستكون لنتائجها امتدادات مؤثرة على ما هو أبعد. سوريا وليبيا وكما ذكر محلل ألماني في أحد مراكز التحليل ببرلين تشكلان قلب معادلة صراع القوى سواء محليا أو دوليا لصياغة وضع جديد.

  تجتهد واشنطن ومعها بعض من حلفائها وحسب نظام تقاسم الأدوار فرض واقع معين في هذين البلدين تحت نفس شعارات الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان إلى غير ذلك من الشعارات التي لا زالت تنطلي على البعض.

معارك محورية

 يوم 2 مايو 2016 وبعد أيام عديدة من الضجة التي روجت لها الكثير من وسائل الإعلام وخاصة الغربية عما يدور في منطقة مدينة حلب السورية أكد مركز "غلوبال ريسرتش" الكندي المحايد أن الرئيس السوري بشار الأسد برئ من قصف مدينة حلب التى شهدت خلال الأيام القليلة الماضية قصف عشوائي أطاح بالمئات.

وكذب المركز الإعلام الأمريكي واستهدافه للجيش السوري والرئيس بشار الأسد وتزييف حقيقة ما يحدث في حلب من معارك راح ضحيتها العشرات. وأكد المركز البحثي في تقريره الذي نشر الأحد مطلع مايو، أن دعاية إعلامية مغرضة تصاحب المعركة في حلب بين الجيش السوري وحلفائه، وبين الجماعات الإرهابية المدعومة من حلف الناتو "جبهة النصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وداعش".

وأوضح أن الجماعات المسلحة أرسلت مئات من قذائف الهاون إلى حلب، الأمر الذي استوجب ردا من الجيش السوري الذي نقلت وسائل الإعلام الأمريكية صورة خاطئة عن تهديده للمدنيين هناك.

وذكر "غلوبال ريسرتش" أن الإدارة الأمريكية تعتمد على منظمات غير حكومية بالوكالة، إلى جانب بعض الميليشيات لتصدير صورة دائمة عن الجيش السوري بأن قواته لا تفعل شيئا سوى استهداف المدنيين.

ومن أبرز تلك المنظمات التي ذكرها التقرير، تلك التي تعتمد "الخوذات البيضاء" أو الدفاع المدني السوري والتي تعد المصدر الرئيسي للصورة التي تؤكد بشكل مستمر استهداف الطائرات السورية والروسية للمستشفيات.

وكشف المركز البحثي أن الخوذات البيضاء هي في الأساس تشكيل أمريكي يقوده الجندي البريطاني السابق جيمس لو، بتمويل مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية و"جبهة النصرة"، فرع تنظيم "القاعدة" بسوريا والعراق.

وأوضح أن تلك المنظمة تصور كل هجوم على معاقل “جبهة النصرة” على أنه هجوم على المدنيين ومشافيهم أو على العاملين بمجالات الصحة والطوارئ.

وأشار إلى اعتراف مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، وجو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي في وقت سابق، بتعاون كبار الدول الموالية لأمريكا كقطر وتركيا، مع التنظيمات الإرهابية وتمويلها سرا بهدف إسقاط الأسد.

لندن تخوض حرب المسلحين الإعلامية

  يوم 3 مايو 2016 كشفت صحيفة "ذي غارديان" أن الحكومة البريطانية تقود "الحرب الإعلامية في سوريا" منذ خريف 2013، من خلال "تمويل عمليات إعلامية لمجموعات قتالية معارضة" بلغت قيمة الإنفاق 2.4 مليون جنيه استرليني.

وحسب الصحيفة تعاونت وزارة الخارجية البريطانية، بإشراف وزارة الدفاع، مع شركات متخصصة بالعمل الدعائي عملت من تركيا، على "توفير مواد صحافية مكتوبة ومرئية ومسموعة، وتقارير عسكرية، وصور، وأشرطة فيديو، ومواد لمواقع التواصل الإلكتروني، كانت تنشر وتوزّع على وسائل الإعلام». تلك المواد المعدة من قبل شركات الدعاية، والتي "أشرفت عليها وزارة الدفاع البريطانية قبل نشرها"، كانت "تُدمَغ بإشارات المجموعات السورية المعارضة المسلحة من دون أي ذكر للحكومة البريطانية".

الهدف المعلن، حسب ما تنقل "غارديان"، "تحسين صورة المعارضة المعتدلة في سوريا". الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة تشير إلى أن العقود التي وقعتها الحكومة البريطانية مع الشركات الخاصة التي عملت من إسطنبول، نصت على "تأمين تواصل استراتيجي وعمليات إعلامية لدعم المعارضة السورية" وتركيز العمل الدعائي على التسويق "للقيم المعتدلة للثورة". تقول "غارديان" إنه بعد فشل الحكومة بإقرار إرسال قوات عسكرية الى سوريا، "انطلقت منذ عام 2013 في عمل سري للتأثير في مجريات الحرب من خلال تغيير النظرة تجاه مقاتلي المعارضة وتشويه الجيش السوري".

مصدر مطلع على العقود الحكومية قال للصحيفة إنه في البداية كانت حكومة المملكة البريطانية "تدير المكتب الإعلامي للجيش السوري الحر" من خلال شركة استشارية، وفي نوفمبر 2014 تسلّمت شركة "انوفياتيف كوميونيكيشن" التي يديرها ضابط سابق في الجيش البريطاني، مهمة دعم المجموعات المعارضة المسلحة إعلاميا. مصدر مطلع أكد للصحيفة أنه كانت تعقد عدة اجتماعات أسبوعية بين العاملين على المشروع وممثلين من وزارة الدفاع البريطانية لتنسيق العمل، "حيث كانت للوزارة الكلمة الأخيرة في كافّة الأمور". معظم المواد الصادرة عن المشروع الدعائي، حسب مصدر "غارديان"، كانت "تقارير إخبارية عن إحراز المقاتلين المعارضين نجاحات في الميدان وأشرطة فيديو تظهر مقاتلين معارضين يوزعون الطعام على الناس، ومواد أخرى أظهرت مقاتلين يحملون قاذفات صواريخ على أكتافهم"...

ورغم تشديد الحكومة والشركة المنفّذة على أن المشروع هو لخدمة "المعارضة المعتدلة" فقط، أشارت الصحيفة إلى أن العقود أظهرت العمل لمصلحة عدة وحدات قتالية "مصنّفة معتدلة" من قبل الحكومة البريطانية، بينها "حركة حزم"، لكن أيضاً "جيش الإسلام". وعند سؤال الصحيفة للحكومة عن "جيش الإسلام" الذي "تشير تقارير إلى أنه مدعوم من دول خليجية وتركيا" وقد "تورط بعمليات خطف ناشطين إنسانيين وقتلهم وعرف باتخاذه المدنيين دروعا بشرية له"، نفت الحكومة في البداية شمول "جيش الإسلام" في عقود عملها، لكنها قالت لاحقا إنه ذُكر في سياق مختلف، فيما أكد متحدث في وزارة الدفاع أن "جيش الإسلام لم يتلق أي مساعدة من قبل الوزارة أو أي من الشركات التي تعمل مع الحكومة البريطانية". لمصلحة من تعمل اليوم إذا الحكومة في مشروعها الدعائي ذاك، خصوصا بعد حل "حركة حزم"؟

أسلحة أمريكية

خلال شهر أبريل نشر الموقع الحكومي الأمريكي لفرص التجارة الفدرالية، على ما يظهر بسبب أخطاء تتكرر بوتيرة متزايدة في الولايات المتحدة نتيجة الاعتماد المتزايد على شبكات الاتصال العنكبوتية، تفاصيل الأسلحة والذخيرة التي زودت بها الولايات المتحدة المجموعات المسلحة في سوريا. الوثائق أشارت إلى أنواع وأعداد الأسلحة والذخيرة التي زودت بها الولايات المتحدة المجموعات المسلحة في سوريا.

وأصدر الموقع الأمريكي اثنين من العروض في الأشهر الأخيرة التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تبحث عن شركات شحن لنقل مواد متفجرة من أوروبا الشرقية إلى ميناء قرب سوريا نيابة عن قيادة النقل البحري العسكري بالبحرية الأمريكية.

نُشرت الوثيقة الأولى في 3 نوفمبر 2015، ونصت على أن الولايات المتحدة تلتمس من أحد المقاولين شحن 81 حاوية من البضائع، شملت مواد متفجرة، من كونستانتا في رومانيا إلى ميناء قرب سوريا.

وفي وقت لاحق، تم تحديث قائمة التعبئة التفصيلية التي أظهرت أن البضائع بلغ مجموع وزنها 994 طنا، ما يقل قليلا عن نصف الشحنة التي كان من المقرر أن تفرغ في أغالار، وهو رصيف عسكري بالقرب من بلدة التركية تاسوكو، فيما سيرسل النصف الثاني إلى ميناء آخر.

وشملت البضائع الواردة في الوثيقة بنادقAK-47، ورشاشات PKM، والرشاشات الثقيلة DShK، بالإضافة إلى قاذفات صواريخ RPG-7، وأنظمة “K111M Faktoria9″المضادة للدبابات.

من جهته، كشف موقع “غلوبال ريسيرش” الكندي أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي أي إيه” لا تزال ترسل آلاف الأطنان من الأسلحة الإضافية إلى ما يسمى المعارضة المسلحة في سوريا.

وأشار الموقع الكندي إلى أن آخر شحنتين قدرتا بثلاثة آلاف طن من الأسلحة.

وقال الموقع إن مجموعة “أي أتش إس جاينز″ الاستشارية البريطانية المتخصصة في شؤون الدفاع وجدت طلبين على موقع “فيديرال بيزنس أوبورتشنتيز″ التابع للحكومة الأمريكية خلال الشهور الأخيرة تبحث فيهما عن شركات شحن لنقل مواد متفجرة من أوروبا الشرقية إلى ميناء قرب سوريا نيابة عن قيادة النقل البحري العسكري التابعة للأسطول الأمريكي.

المنصة الليبية للفوضى

بعد التعقيدات التي ألمت بمشروع الفوضى الخلاقة بسوريا خاصة بعد تدخل موسكو العسكري لمساندة الجيش السوري انتقل جزء إضافي من ثقل التدخل الغربي إلى ليبيا.

  خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2015 وبداية سنة 2016 كشف مسؤول عسكري ليبي النقاب عن محاولات تركية وصفها بالمحمومة لتزويد الميليشيات المحسوبة على جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية بصواريخ حرارية مضادة للطائرات، عبر سفن ويخوت تحميها قطع بحرية تركية. وقال الرائد محمد حجازي الناطق باسم الجيش الليبي لـصحيفة "العرب" اللندنية الصادرة يوم السبت 22 أغسطس 2015، إن الأجهزة الليبية رصدت تزايد محاولات الجماعات المتطرفة نقل السلاح والعتاد الحربي والأفراد من خارج ليبيا إلى داخلها، عبر البحر والجو، وذلك رغم الضربات التي وجهها سلاح الجو الليبي لها.

ووصف تلك المحاولات بأنها جبهة مفتوحة أمام سلاح الجو الذي دمر قبل أيام سفينة قبالة سواحل بنغازي على متنها مقاتلين أجانب وكميّات من الأسلحة. وأكد الرائد حجازي حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية "دب أ" أن السفينة المدمرة دخلت المياه الإقليمية الليبية من تركيا، وكانت تحمل شحنة صواريخ حرارية مضادة للطائرات، وذلك في تطور الهدف منه تحييد سلاح الجو الليبي في معركته ضد الإرهاب.

وحذر في هذا السياق من خطورة هذا التطور الذي وصفه بـ"النوعي" ذلك أنه ترافق مع مستجدات أخرى أكثر خطورة تتمثل في تحريك تركيا لقطع من سلاحها البحري لحماية تلك السفن قبل وصولها إلى المياه الإقليمية الليبية. وأضاف "لقد رصد سلاح الجو الليبي قطعا تابعة للبحرية التركية تقوم بمرافقة يخت كبير الحجم على متنه شحنات من الأسلحة ومقاتلون أجانب، وحمايته لغاية وصوله إلى ميناء مصراتة الذي تسيطر عليه الجماعات المتطرفة". ولفت إلى أن هذا التطور ترافق مع هبوط طائرات أجنبية محمّلة بالسلاح في مطاري معيتيقة بالعاصمة طرابلس، ومصراتة.

 وبعد سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي، على مدينة "سرت" الليبية، وإعلانها ولاية له، بدأت رحلات المقاتلين وحجهم إلى ليبيا، لتوسعات التنظيم، حيث أصبحت ليبيا قبلتهم الأولى نظرًا لحدة الأوضاع في سوريا والعراق.

وكشف مصدر ليبي مطلع عن وصول عشرات المقاتلين من جنسيات مختلفة إلى شواطئ المدينة، على متن سفينة متوسطة الحجم، محملين بصناديق سلاح وذخيرة، قادمة من "سوريا" عبر الأراضي التركية، موضحا وجود أكثر من 30 أجنبيا، ضمن العناصر الإرهابية التي وصلت إلى سرت، متخصصين في زراعة الألغام وصناعة القنابل، وأن السفينة غادرت بعد ساعات، بعدما استقبلتهم عناصر الشرطة الداعشية في المدينة وتسكينهم في المعسكرات.

لم تكن تلك المرة الأولى لقدوم المقاتلين من "سوريا" عبر تركيا الداعمة لسياسات العنف في المنطقة بحسب المصدر، على مر الأسابيع الثلاثة الماضية، ارتفعت وتيرة انتقال قيادات تنظيم «داعش» الإرهابي، منهم "أبو على الأنباري" الرجل الثاني في التنظيم، رفيق أبوبكر البغدادي إلى ليبيا، و"أحمد خليفة عثمان المنصوري" المنذر الشرعي للتنظيم، بصحبة العشرات من المقاتلين عبر البحر.

وأضاف المصدر، أن سيطرة التنظيم الإرهابي على مسافة 250 كلم من الساحل الليبي، وفر له منطقة آمنة لاستقبال قياداته عبر البحر، والمهاجرين الجدد، من دول أوروبا ومقاتليه في سوريا.

عاصفة الحرب الدافئة

كتب المحلل والباحث العسكري العراقي د. مهند العزاوي:

  اطلقت قبل أشهر مصطلح "الحرب الدافئة" منظرا في فن الحرب المعاصرة لتوصيف سلسلة الحروب المتوالية التي نشهدها في مسرح الشرق الاوسط ومجاله الحيوي المتصدع، وبالرغم من ان البعض استغرب من التوصيف والمصطلح الا ان بمرور الوقت اكتسب المصطلح قيمته العملية والفكرية، بعد ان افضت الحقائق الوقائع الى توصيف هذه الحروب المختلفة كليا عن الحروب التي شهدها العالم في العقدين المنصرمين، ومن يكتب في فن الحرب اشخاص مسلحين بالخبرة والعلم وقد خاضوا تجارب حربية متعددة يتم تسطيرها كسياقات ونظريات ومفاهيم ومصطلحات، ولعل قابلية التصور المنطقي تعطي زخما قويا للقائم بالتنظير ليصف الواقع الحربي بشكل منطقي وموضوعي.

مصطلح الحرب الدافئة نظرته كمصطلح من الواقع السياسي والحربي الحالي قد تخطى قيم الحرب الباردة ومعاييرها المخابراتية ومخارجها المعتدلة بعض الشيئ الى الحرب الدافئة وهي الواقع الحربي المركب الذي يمتاز بسخونة مرتفعة تفوق الحرب الباردة بهمجية وتوحش تفوق الصدمة والرعب في الحرب النظامية، وتستخدم فيها المفاعيل الحربية الدولية الحاكمة قدرات القوة النظامية الساندة والأدوات المسلحة الغير متناظرة وان اختلفت مسمياتها وتعددت رايتها المزيفة لتبرر سياسة الوصول والتواجد الحربي من جهة والسياسي والاقتصادي من جهة اخرى، ويستخدم فيها السلاح بكافة انواعه، العتاد بكافة انواعه، المتفجرات، اجهزة الاتصالات، المستشارين، المتطوعين المتقاعدين من الشركات الامنية الخاصة كمدربين، الدروع الواقية، الروبوت الحديثة المتعدد الاغراض، الكلاب البوليسية، الحواسيب وشاشات العرض وكاميرات المراقبة، السيارات المصفحة، مراكز الدراسات، الصناعة الاعلامية بكافة عناصرها، صناعة الافكار المتطرفة والهدامة، انه بالحقيقة سوق تجاري للحرب والأمن من جهة وأدوات تحقق متطلبات الحرب الدافئة التي لا تنطبق عليها القواعد الامرة في القانون الدولي للحرب.

 لم تعد القيم الحربية التي تدرس في المعاهد والأكاديميات العسكرية المختصة تواكب بيئة حرب غير متوازية، خصوصا بعد اتساع ظاهرة الجيوش المبعثرة الغير حرفية، وبروز جيل الجيوش المرتزقة والبيارق المزيفة من المليشيات والتنظيمات الارهابية المتوحشة، وكذلك اندثار خطوط التماس الحربي، واندثار الحدود السياسية لدول عربية متعددة، وتلاشي مفهوم الردع العسكري المنظم وفق فلسفة توازن التوافق والاضداد، وكان المجتمع العسكري الدولي قد اعتنق في حقبة التسعينات عقيدة خصخصة الحرب والجيش الذكي، الذي يعتمد على كثافة ودقة القوة النارية الجوية والأرضية والبحرية المتطورة، ومكننة الحرب، وتجزئة القدرة النووية الى اسلحة محدودة، ناهيك عن امتلاك الهيمنة الفضائية ضمن سياق الحرب الالكترومعلوماتية التي تستطيع من خلالها ان تمسح ساحة المعركة ومسرح العمليات بدقة متناهية، وقد افرزت هذه العقيدة جيوش بشرية ذات خبرة ومهنية سائبة اضطرت للعمل في مجال الامن وخصخصة الحروب والتنظيمات المسلحة المتطرفة.

اضحت الحرب في عالمنا المعاصر مختلفة كثيرا عما سبق رغم استخدام بعض الاستراتيجيات العسكرية السابقة، ولعل ما نشهده اليوم هو نتاج واضح لاستراتيجية خصخصة القوة والحرب مطلع التسعينات ودخول العامل المدني لهيكل القوة ومشاركته الحروب بمختلف مدياتها، وكذلك منهجية الجيش الصغير الذكي الذي اعتمد مطلع التسعينات للجيوش والذي افقد الجيوش الكتلة الحيوية البشرية المهنية الخبيرة واستعاض عنها بالادوات التكنلوجية المتطورة، ومن هذا المنحنى والانعطافة الاستراتيجية السياسية العسكرية برزت عوامل ومقومات (الحرب الدافئة) التي تختلف في سياقاتها وامدها عن الحرب النظامية المعلنة والمحددة باهداف وخطوط تماس وجبهات وجيوش وفق نظام المعركة، بينما تعمتد الحرب الباردة على الحرب الشبحية وحرب المخابرات السرية وحرب الاقتصاد المضاد وخندقة المعسكرات السياسية، ومن هنا نجد ان حروبنا المعاصرة هلامية الوقت تفتقر للرؤيا الاستراتيجية والاطار السياسي الفاعل والدور الاممي القانوني وبلا شك انها تفتقر للحسم العسكري والسياسي، ويدور في فلك الحرب الدافئة دول ومنظمات وتنظيمات مسلحة وجيوش نظامية وشركات ساندة وكذلك عصابات الجريمة المنظمة التي تشغل المنطقة الرمادية في مشهد اللايقين المضلل والمعتمد في منهجية الاقتصاد الاسود الذي بات يجتاح الاقتصاد الرسمي العالمي وينهكه .

عمر نجيب، كاتب وصحافي مصري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.